تخيل، ذهبتَ إلى السوق بعد أن سمعتَ بوجود سيّارة معروضة للبيع. وهناك وجدْتَ رجلًا يبدو عليك من حاله أنّه بسيط فقير، فجلستَ معه تُساومه. السيارة - كما بلغك - يساوي ثمنها خمس مئة ألف. أعجبتك السيارة، فقلت له: لو حصلتُ بثلاث مئة ألف أشتريها. وما كدتَ تُكمل كلامك حتى قال الرجل دون تردّد:
موافق! فخشيتَ أن يغيِّر رأيه، فبادرتَ فعدَدتَ له المبلغ، ودفعتَه كلّه فورا دون تفكير طويل.
يا صديقي العزيز! ما الشعورالذي يدور الآن في داخلك؟ هل هو شعور السعادة والظفر، بكونك أمهرَ الناس بحيلة التجارة!؟ أم تشعر في نفسك: ربّما كان عليَّ أن أزيده قليلًا… الرجل مسكينٌ بسيطٌ على ما يبدو…والسيارة جيدة…أخشى أنّني ظلمته!هل سيجعلك هذا الخاطر تعود إليه لتزيده ثمنًا؟ دع نفسك ، والحقيقة أنّه ينبغي أن نفعل ذلك! نعم، هذا هو الإنصاف الحقيقي في المعاملات.
فلنأتِ الآن إلى الخبر الحقيقي. أرسل رجلٌ خادمَه إلى السوق ليشتري له فرسًا. فوجد فرساً أعجبه، فأخذ يساوم صاحبه حتى وصل إلى ثلاثمائة درهم، وكان الفرس يستحق أكثر من ذلك، لكن الخادم فطن، فاتفقوا على السعر وذهب الرجل والغلام بالفرس إلى جرير.
فقال له: بكم اشتريتَ الفرس؟
قال: بثلاثمائة درهم.
فقال لصاحب الفرس: يا صاحب الفرس! فرسُك يساوي خمسمائة، فاستاء الغلام جدّا من هذه الكلمة.
فقال الرجل: رضيتُ!.
قال : يساوي ثمانمائة درهم!
فقال له: رضيت!.
وأعطاه الثمانمائة درهم وأخذ الفرس.
فقال الغلام: ما هذا؟ فقال: يا بنيّ! إنّي بايعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكلّ مسلم!.
ما أعظمهم من أناس بقوا على العهد ووفوا ..
وليست هذه قصة خيالية، بل هي واقعةٌ صحيحة جرت للصحابي الجليل جرير بن عبد الله البَجَليّ رضي الله عنه - سيد قبيلة بجيلة- وقد أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بأربعين يومًا فقط. وكان النبي ﷺ إذا رآه تبسّم في وجهه، وقال لأصحابه: إذا جاءكم كريم قومٍ فأكرموه. وقد روى هذا الخبر الإمام الطبراني وغيره.
وليس ما فعله جرير جهلًا بالتجارة، ولا ضعفًا في المساومة، وإنّما كان وفاءً لعهدٍ أخذه على نفسه عند إسلامه: أن ينصح لكل مسلم، وألّا يغش أحدًا؛ وأن يعطي كل ذي حقٍّ حقَّه، ولو كان ذلك على حساب ربحه الخاص.
هكذا تُربّي العقيدة الصادقة أصحابها، ترفعهم إلى مقامات العدل والإحسان، حتى يصبحوا أمناء على الحلال، أمناء على حقوق الناس، أمناء على ضمائرهم أمام الله.
لم يكن الدافع عندهم هو الحرص على الربح، ولا كان همُّهم أن يخرجوا من كلّ صفقة بالغنم الوفير. لم يقولوا قط: لا بأس، ما دام لنا شيء نكسبه! بل كان موقفهم على النقيض تمامًا،حتى لو خسرنا شيئًا، فذاك أهون علينا من أن يدخل جوفَنا أو يجري في أموالنا أيُّ كسبٍ مشبوه لا يرضاه الله.
هذا هو السرّ… قوّةٌ داخلية لا تساوم، وإيمانٌ يجعل صاحبه يرى الحرام - ولو دقَّ - نارًا حارقة لا يُقاربها. وقد يبتسم المجتمع الحديث ساخرًا حين يرى هذا المستوى من الدقّة والورع في التعامل المالي.لكنّ الإيمان إن حلّ في القلب على حقيقته يخرج في العمل بهذا الصفاء، ويثمر في حياة صاحبه بهذا النقاء.كان خوفهم منصبًّا على شيء واحد فقط؛ أن لا يدخل الحرام - قلَّ أو كثر - إلى بطونهم ولا إلى بطون من يعولون.
فقد جاء في الحديث أن اللّحم الذي نبت من حرام، فالنار أولى به. وهذا وحده كان كافيًا ليجعلهم يقفون عند كلّ شبهة، ويتحرّون في كلّ درهم، كأنّما يسيرون بين شوكٍ دقيق. إنّ حياة أولئك العظماء الذين مضَوا يجب أن تكون لنا كتابًا مفتوحًا نتعلّم منه.
فقد تحوّل الجيل الجديد في كثير من معاملاته إلى نمطٍ لا يرى إلا الرّبح، ولا يبصر إلّا الظاهر، ويتجاهل الباطن، حتى كأنّ المال معبودٌ جديد يُساق النّاس لأجله بلا بصيرة. لكن الحقيقة التي لا تتبدّل هي: أنّ النجاحَ ليس فيما نربحه ظاهرًا، بل فيما نحمله في قلوبنا باطنًا، وأن الطهارة الداخلية هي أساس البركة، وهي سرُّ التوفيق، وهي التي ترفع صاحبها عند الله وعند الناس.إذا تلوَّث كسبُنا، ثم حملناه إلى ميادين الطاعات والصدقات، فلن نرى لعملنا ثمرة. وقد نطعم أبناءنا طعامًا غير حلال، ثم نفتّح لهم أبواب التعليم الديني، ونوفّر لهم أجواءً روحية نقيّة، ونتوقّع أن نرى نتائج مباركة. ومع ذلك قد لا نرى شيئًا. فالأساس فاسد، وما بُني على الفساد لا يثمر صلاحًا. إن لم يكن طعامنا من حلال، وإن لم يكن شرابنا من حلال، وإن لم يكن لباسنا من مالٍ طاهر، وإن لم يكن مسكننا قائمًا على كسبٍ نقي. فإن دعاءنا يُردّ، ولا يجد طريقًا إلى السماء.وأيُّ شقاءٍ أعظم من دعاءٍ يرتفع ولا يُستجاب، وقلبٍ ينادي ولا يُجاب؟وقد ورد في الحديث الشريف عن رجلٍ تبدو عليه سِيماء الصلاح والزهد، أشعثَ أغبر، يرفع يديه إلى السماء يقول: يا ربّ، يا ربّ! لكن طعامه حرام، وشرابه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام…فأنّى يُستجاب له؟ سؤالٌ واحد ينبغي أن نطرحه بكل صدق على أنفسنا:هل أنا - إن رفعت يدي نحو السماء - أهلٌ لأن يُستجاب لي؟ هل مالي، ومعاملاتي، ومصدري، وما يدخل بطني وبطون من أعول، يقربني من الله أم يحرمني جوابه؟ هذا سؤال يزلزل القلب… لكنه وحده القادر على تصحيح الطريق قبل أن يفوت الأوان.




