الله سبحانه خلق الإنسان، ولكن لِمَ خلقه؟ خلقه ليكون خليفةً له في الأرض، نائبًا عن المالك الحقّ. ثم هيّأ الله له مسكنًا جميلاً مفعمًا بالحياة، هذا الكون الفسيح، بما فيه من جبال وأنهار، وأرضٍ وسماء، ونباتٍ وحيوان. أودع فيه كلَّ ما يحتاجه، وقال له :استمتع بما رزقتُك، ولكن لا تُسرف، ولا تُفسد.
وهنا ينبغي لكلٍّ منّا أن يسأل نفسه بصدق: نحن نعيش بما تمنحه لنا الطبيعة من خيراتٍ لا تنقطع، فهل حافَظْنا على الأمانة؟ هل تعامَلنا مع موارد هذا الكون - التي ائتمننا الله عليها - بروح الأخلاق والمسؤولية؟ إن كنا قد أهملنا، فكم نكون قد خُنّا الثقة وأضعنا الأمانة!
تخيّل، أنّ صديقًا عزيزًا سلّم إليك بيتَه وأرضه في غيابه، ثم عاد فوجدها خرابًا…كيف سيكون موقفه منك؟ فكذلك ربّنا جلّ وعلا سلّم إلينا هذا الكون أمانةً لنحسن رعايته، لا لنعبث به.
كلّ ما بين أيدينا من ثرواتٍ وخيراتٍ يجب أن نراه بعين الوكيل لا بعين المالك. نحن لم نغتصب هذه الأرض اغتصابًا، بل دُعينا إليها تكريمًا. نحن ضيوفٌ مكرَّمون ووكلاء أمناء، لا أصحاب مُلكٍ متجبّرين.
وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ، وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ(…الإسراء: 70).
فهنا حقيقتان عظيمتان ينبغي التأمل فيهما: الأولى: كرامة الإنسان بما هو خليفة الله في الأرض، مطالبٌ أن يعيش بأدبٍ مع الكون، مستخدمًا ما حوله بميزانٍ من الاعتدال والتقدير. فالإسراف والتدمير ليسا حضارة، بل جحودٌ ونكرانٌ للجميل.
والثانية: حقيقة وجودنا العابر؛ فالخليفة أو الضيف يعلم أنه لن يبقى إلى الأبد. ما نحن هنا إلا زوّارٌ مؤقتون، مقيمون في دارٍ ليست لنا، سنغادرها يومًا ما ونترك وراءنا كلّ ما فيها. فهل نحيا إذًا كضيوفٍ كرامٍ يراعون حرمة المضيف، أم كغرباء طغاةٍ لا يرون إلا شهواتهم؟
وهذه السطور التالية لشاعر من أهل كيرالا ، وكان في بيتٍ مستأجَر، ولمّا عجز عن دفع الإيجار، أخذ صاحبُ البيت يطرده هو وأهلَه منه. وكان طفلُ الشاعر قد وُلد في ذلك البيت، ونشأ بين جدرانه. وبينما كان صاحبُ البيت يصرخ آمرًا بإخراجهم وجمع أمتِعتهم، التفت الطفلُ إلى أبيه وقال في براءةٍ ودهشة: ولِمَ نرحل يا أبي؟ أليس هذا بيتَنا؟ فأجابه الشاعر بالأبيات التالية:
ليس بيتُنا هذا البيت،
ولا ساحَتُه، ولا درجاتُ بابه،
ولا الجدارُ المكسوّ بالكرومِ والزهورِ الذهبية.
ليس بيتُنا هذا البيت،
ولا باحتُه التي تتعانق فيها نباتاتُ النَّنْديار والعرعر،
ولا رائحةُ أزهارِ الياسمين تعبقُ في هوائها.
ليس بيتُنا هذا البيت،
ولا بركتُه ولا بُستانُه،
ولا النسيمُ الباردُ الذي يهزُّ سعفَ النخيل،
ولا شفَقُ المساءِ التي تَتدلّى على جدرانه.
ليس بيتُنا هذا البيت،
ولا جدرانُه الملوّنة،
ولا الفتياتُ الخشبيّة المنقوشة على الأبوابِ
ينظرنَ في المرآةِ صامتاتٍ.
ليس بيتُنا هذا البيت،
ولا أروقتُه الأربعُ التي تُنغّم مع المطرِ
أوتارَ قيثارةٍ خفيّة.
ليس بيتُنا هذا البيت،
ولا القفصُ الذي علّقناه في ركنِ السطحِ،
ولا خيوطُ الضوءِ الذهبية التي انسكبت في نوافذه.
كم من مساءٍ مرّ،
وأنت لم تَرَ العصفورَ العائدَ إلى قَفَصه،
وظللتَ تَتنهّدُ حتى غابت الشمس.
ليس بيتُنا هذا البيت،
ولا موسيقا البيتِ،
إنما نحنُ راحلون ،
لا نعرفُ إلى أيّ زمانٍ أو مكانٍ نمضي.
إنها رحلةٌ لا تنتهي،
رحلةٌ لا قرارَ لها،
ولا راحةَ فيها
إلّا لمن يجدُ بيتَه الحقيقيَّ هناك...
وهذه السطور – وإن كان خطابا للإبن – تأملية توحي أنّنا خليفة الله في الأرض وعن قريب نرحل منها تاركا كلّ ما فيها إلى دار أخرى، والدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء.
رحلة الإنسان… من الأمانة إلى الوعي ، هذه هي حقيقة حالنا جميعًا، نحن الذين جئنا إلى هذه الأرض خلفاء لله تعالى، لا مُلّاكًا دائمين. حين نُخلي بيتًا مستأجرًا، نحمل أمتعتنا معنا ونرحل. لكن حين نغادر هذه الأرض، فإنّنا نرحل عنها بلا شيء. ذاك هو الفارق الجوهري، وتلك هي الحقيقة التي ينبغي أن تسكن أعماق وعينا.
إنّ أصل الداء في عالمنا اليوم هو أن المستأجر ظنّ نفسه مالكا. نحن نتصرّف وكأنّ الكون وما فيه مِلكٌ لنا، نغتصبه لأنفسنا، ننهب خيراته، ونريق الدماء دفاعًا عن وهم الملكية، متناسين أنّ كلّ ما بين أيدينا إنّما هو أمانةٌ من الله، لا تملّكًا لنا.
ولئن قال الله إنّ الإنسان خليفةٌ في الأرض، فليس المقصود أنّ فردًا بعينه هو الخليفة، بل أن الإنسانية جمعاء قد حُمّلت هذه الأمانة. فوظيفة الإنسان في الأرض ليست أن يعيش لنفسه فقط، بل أن يعمّرها بما ينفع الخلق كلّهم، وأن يُسخّر ما أُوتي من نِعَمٍ في سبيل الخير العام، لا لمطامع شخصية أو نزواتٍ عابرة.
لكن التاريخ يشهد - ويا للأسف - أن الإنسان كثيرًا ما خان هذه الأمانة، حين طغى جشعه على ضميره،
وحين أعْمَتْه أنانيته عن صوت الفطرة الذي يدعوه إلى القسط والرحمة. كم من الملوك والسلاطين سالت الدماء تحت أقدامهم باسم المال والمُلك! لكن، هل بقي أحدٌ منهم في ملكه؟ هل استطاع أحدٌ أن يحمل معه ما كان يفاخر به من قصورٍ وأموالٍ وجيوشٍ وعروش؟ لقد صاروا جميعًا إلى التراب الذي توهّموا أنهم يملكونه. وربّما لو عادوا للحظة، لابتسموا ساخرين من أنفسهم، فقد كانوا يرون الأرض كلّها لهم، ثمّ أورثناها قوما آخرين!
والشيخ محمود بن عبد القادر القاهري يصف بسخرية في قصيدته رزّانة العلم، حالَ الحريص على الدنيا ظانّا أنّه مالِك جميع ما فيها، ويشبِّه حاله بمَن يربّي ابنا لزوجته العاهرة ظانّا أنه ابن من صلبه.
إِنِ ادَّعَيْتَ عَلَى الْأَمْوَالِ تَذْخَرُهَا بِالْمِلْكِ تَضْحَكُ عَنْ أَنيَابِهَا الْأَرْضُ
كَضَحْكِ عَاهِرَةٍ إِذْ قَبْلَ البَعْلُ إِبْنَا أَتَتْ لِسِوَاهُ الرَّجْمُ يَعْتَرِضُ
لقد أوصى النبي ﷺ لأصحابه، فقال: كُنْ في الدنيا كأنك غريب، أو عابرُ سبيلٍ. وفي روايةٍ أخرى قال: وعُدّ نفسك من أصحاب القبور. لو تمثّل الإنسان هذا المبدأ في تعامله مع المال والثروة والجاه، لما وُجدت في الأرض حروبٌ ولا استغلالٌ ولا فساد. فمن يرى نفسه غريبًا في هذه الدنيا، لا يتشبّث بترابها،
ومن يرى ثروته أمانةً، لا يستبيح بها حقوق غيره.
أمّا أولئك الذين يظنون أن الحياة هي هذه اللذّات الزائلة، وأن لا شيء بعدها، فقد عَمُوا عن الحقيقة الكبرى، وصاروا كمن يعبد السراب ظانًّا أنه الماء. إنّ الرؤية المادية الخالصة - التي تجعل الإنسان أسيرًا للشهوة والمنفعة - تُفقِده الإحساس بالروح، وتُميت في قلبه نور الرحمة والبصيرة. أما الرؤية الإيمانية، فهي التي ترى في الثروة نعمةً لا ملكًا، وفي المال وسيلةً لا غاية، وفي الحياة رحلةً إلى الله لا إقامةً دائمة. ذلك هو جوهر التصوّر الإسلامي للاقتصاد، اقتصادٌ يربط المادة بالمعنى، والمال بالأمانة، والعمل بالعبادة.




