تخيّل أنك ترى جارًا ظالمًا، يمدّ يده خلسةً إلى حدود أرضك، فيأخذ منها قليلًا قليلًا، حتى إذا واجهته ثار وصاح، وتقلب الحقّ باطلًا، واجتمع الناس، ثم انتهى الأمر في المحاكم. وهناك، بماله ونفوذه، يشتري الضمائر، ويستميل من بيدهم القرار، ويخرّج وثائق مزوّرة يثبت بها ملكًا ليس له. ثم لا يلبث أن يغرس في تلك الأرض المسروقة شجرة موز باسقة، تمتدّ وتكبر وتعلو، حتى إذا أينعت وأثمرت، أقبل يقطع عذوقها ويحملها مزهوًّا كأنما يجني ثمرة جهده وحقّه!
وأنت تنظر…فماذا يدور في أعماقك عندها؟ قد يتردّد في داخلك وجعٌ مكتوم، يمتزج فيه الأسى بالغضب والغيرة على الحق، فيهمس قلبك بمرارة: كُلْها… ولْيكن وبالها عليك وعلى ذريتك، فثمرُ الظلم لا بركة فيه! لكن تمهّل… أبهذا تُحاسَب الخلائق؟ وبأيّ حق يرتفع هذا الدعاء؟ إن الجسد الذي يأكل تلك الثمرة، لا يعرف أنها نبتت في أرضٍ مُغتصبة، ولا يميز بين حقٍّ وباطل، كما يقول أهل المادية الجافة. والجسم لا يدرك خبيث الكسب من طيّبه… لكن الله يدرك، والله يُحصي، والله لا يظلم الناس شيئًا. ومع ذلك، يبقى في زاويةٍ خفيّة من النفس صدى ذلك الشعور الفطري الذي لا يغادرها: لا خير في مالٍ أُخذ ظلمًا، ولا بركة في ثمرٍ نبت فوق جور؛ وما عند الله لا يُنال بمعصيته.
إنَّ الإسلامَ ينهى نهيًا شديدًا عن أكل المال الحرام، وعن إطعام الأهل والأولاد من كسبٍ خبيث أو طريقٍ غير مشروع. كما يقف الإسلام بكل حزمٍ أمام الغشّ والتدليس في التجارة، فإن للمال منزلةً في حياة الإنسان كمنزلة القلب في الجسد؛ فكما أن نبض القلب يمدُّ خلايا الجسد كلّها بالحياة، كذلك المال يتحكّم في تفاصيل المعيشة كلِّها: طعامِنا، ولباسِنا، ومسكنِنا، وحركتنا وسكوننا. ولهذا كان لزامًا أن يكون هذا المال طاهرًا نقيًا، فإن خَبُثَ مصدره خبثت به سائر الجوانب، وتلوّثت حياة الإنسان من حيث يشعر أو لا يشعر.
قد يعمد أحدهم إلى إطعام أولاده أطيب الطعام، فيقدِّم لهم أجود الأنواع، نظيفًا مغذّيًا ممهورًا بالنقاء. لكن، هل يُجدي ذلك نفعًا إن كان المال الذي اشترى به هذا الطعام قد جُمع بالغشّ، أو بالتطفيف في الميزان، أو بتزوير الفواتير، أو بأكل الرشوة؟ هل ينفع حينها أن يقال: نطعمهم أفخر اللوز والفستق؟ أو نُسقيهم الحليب الممزوج بأفخر الزعفران؟ أو نطبخ لهم الخضروات المزروعة في حديقة البيت بلا أسمدة كيميائية؟
لا، والله، ما دام أساسه مالًا خبيثًا!
يقول الماديّ الخالص: المهمّ أنّ الغذاء يصل إلى الخلايا، والجسم لا ينظر إلى مصدر المال!
وهذا عينُ القصور الذي يبصر ظاهر الحياة ولا يرى باطنها، ويقيس الأمور بموازين المادة وحدها، غافلًا عن القيم العليا التي تتجاوز حدود الحسّ.
إنّ ما يدخل جوف الإنسان لا بدّ أن يكون حلالًا خالصًا. وكثيرون يظنون أن معنى الحلال لا يتجاوز ذبح الدجاجة أو نحو ذلك، وهذا قصورٌ في الفهم؛ فالحلال هو كلّ ما أذن الله به، والحرام هو كلّ ما نهى الله عنه.
وفي المعاملات، يتحقّق الحلال عندما تقوم على التراضي والصدق والوضوح، كما أرشد القرآن الكريم.
ولو ألقينا نظرةً على واقع أسواقنا لرأينا، كَم ابتعد كثيرون عن هذا المنهج الربّاني؛ فكم من صفقةٍ تنتهي بأحد الطرفين يعضّ أصابع الندم! وفي مجال العقارات بالذات تتكاثر صور الخداع؛ فهناك سماسرةٌ يجعلون السوق لعبتهم. فإذا احتاج إنسانٌ لبيع بيته، أظهروا له أنّه لا قيمة له، وأن الأسعار في انهيار، وأن السوق ميّت، وأن الفرصة التي أمامه آخر ما تبقّى، ويضغطون عليه حتى يبيع بثمنٍ بخس.
ثم يذهبون إلى المشتري فيقلبون الصورة تمامًا، فيصوّرون له العقار كأنّه جوهرةٌ نادرة، وأنّه إن لم يشترِه اليوم فلن يلمسه بعد شهرٍ ولو ضاعف ثمنه! وما هو إلا غشٌّ وأكلٌ لأموال الناس بالباطل.
وأمثال هذه الصور من الغشّ لا تُعدّ ولا تُحصى. وقد لخّص النبي ﷺ هذا الباب كلَّه بكلمةٍ جامعة مانعة:
مَن غشَّنا فليس منا. وقد قالها ﷺ حين مرَّ بسوق المدينة، فرأى رجلًا يعرض قمحًا، فأدخل يده فيه، فإذا أسفله رطبٌ مبتلّ . فسأله: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله.قال: فهلّا جعلتَه فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشّنا فليس منا.إنّ الإسلام حين يؤكد على التراضي في البيع والشراء، إنما يبني بذلك سوقًا نقيًا صافيًا، يسوده الصدق والوضوح، لا الإغراء ولا الضغط ولا استغلال حاجة الناس؛ وهو ما يمكن أن نسمّيه اليوم: السوق الخالية من الغش.




