اسمع هذه المشاهد الثلاثة جيّدًا، فليست هي قصصًا للتسلية، بل دروسًا عميقة تكشف كيف أنَّ تجاوز النظام، ولو بنوايا طيّبة، قد يفتح أبوابًا من الفوضى لا تُغلق.
المشهد الأول: حين أسقطت العاصفة الأشجار وانقطعت الكهرباء لساعات طويلة ، بل لأيام ، عاش أهل القرية في ظلام دامس، لا ماء ولا كهرباء. ضربت العاصفة بقوّة، فسقطت الأشجار على أسلاك الضغط العالي. لم ينتظر الناسُ أحدًا؛ اجتمعوا، وجاءوا بالعمّال، وقاموا بقطع الأشجار وإزالة الأعطال، ثم استدعوا الفنيين لإعادة التيّار، بل ودفعوا لهم بدلًا إضافيًا من جيوبهم. وبالفعل، عاد النور . ما أروع هذا التعاون! وما أصدق هذا التكافل ظاهريًا!
المشهد الثاني: الطريق الذي يمرّ بقريتكم صار كالقناة المليئة بالحفر: السيارات لا تمرّ إلا بشقّ الأنفس، والمشاة يكادون يتعثرون في كل خطوة. اجتمع القرويون، وجمعوا المال، ورصفوا الطريق على أكمل وجه. والحق: هذا حلّ عمليّ سريع، لا جدال.
المشهد الثالث:معلّم جديد جاء إلى المدرسة. دفع آلافًا ليدخل الخدمة، وتأخّر تثبيته مدّة طويلة، وضاقت به السبل حتّى لم يعد يملك ما يسدّ رمقه. اجتمع مجلس المعلّمين، وتبرّع كلٌّ منهم بمبلغٍ من ماله، حتى جمعوا راتبه وأعطوه إيّاه ليعيش. أليس هذا شهامةً وإنقاذًا لأخٍ منكوب؟
لكن، أين تكمن المشكلة؟ كلّ ما سبق يبدو حسنًا منطقيًا، بل ومُلهمًا. ولكن لو نظرنا إلى العمق لوجدنا حقيقةً أخرى: في كلّ مشهدٍ من المشاهد الثلاثة، المسؤول الحقيقي هو الدولة، لا الأفراد. الدولة تُموَّل من أموال الضرائب التي يدفعها الناس، ومنها يُصرف على إصلاح الكهرباء ورصف الطرق ودفع الرواتب وكلّ الخدمات العامّة، فلو أنّ أهل القرية ، بعد أن أصلحوا الكهرباء بأنفسهم ، اتصلوا بشركة الكهرباء وقالوا: لقد دفعنا من جيوبنا لإعادة التيار، لذا سنخصم هذا من فاتورة الشهر القادم. ولو أنّهم بعد إصلاح الطريق اتصلوا بالبلدية وقالوا: نريد خصم ما دفَعْناه من ضرائب العام القادم.ولو أنّ المدرسة اتصلت بالخزينة وقالت: دفعنا راتب المعلّم من أموالنا، فلن ندفع ضريبة الدخل هذين الشهرين،أكان هذا مقبولًا؟ سيهتزّ النظام كلّه. لن يعرف أحد أين تبدأ المسؤولية ولا أين تنتهي.
نعم، هكذا الإسلام يشجّع على البذل والتعاون، لكنّه لا يسمح أن يُستبدَل النظام الشرعيّ أو الإداريّ بمشاعر طيبة. كما أنّه لا يشرّع للمكلّف أن يتجاوز الحدود بحجّة المصلحة الوقتية؛ فالمصالح إن لم تضبط بالشرع انقلبت مفاسد.Bottom of Form
عند التأمّل في نظام الزكاة في الإسلام، قد يبدو لبعض الناس أنّ فيه تفاصيل دقيقة أو شروطًا معقّدة. ومن شدّة حرص البعض أو حماستهم قد يقع الإنسان في نوع من الاندفاع، فيتصوّر أنّه قادر على تحسين الأحكام أو تطويرها بما يراه مناسبًا للواقع. وهنا وجب التذكير: الحماسُ غير المنضبط خطرٌ، ومحاولاتُ التغيير في العبادات بابٌ لا يجوز فتحه.
نسبة الزكاة ليست مجالًا للاجتهاد الشخصي، فريضة الزكاة ثابتة: ربع العشر، أي 2.5%. هذه النسبة ليست قابلة للتعديل، لا زيادةً ولا نقصانًا، لا بحسب الزمان، ولا بحسب المكان، ولا بالنظر إلى أوضاع الاقتصاد المحلي.
قد يظنّ بعض الناس: لو زدنا نسبة الزكاة إلى 4% أو 5% في منطقة يكثر فيها الفقراء، لاستطعنا أن نزيل الفقر سريعًا! وربّما وافقهم الأغنياء أنفسهم، إذ قد لا يبالون بالزيادة. لكن، ليس لأحدٍ أن يمدّ يده ليغيّر ما ثبت بالنصّ. فالزكاة عبادةٌ محدّدة بمقادير شرعية، لا تُعدّل بدافع الرحمة ولا الإصلاح ولا التطوّر الاجتماعي. والشرع لم يترك الناس بلا حلول؛ بل جعل مع الزكاة أبوابًا أخرى كثيرة للخير: الصدقات، الهبات، الأوقاف، الكفّارات، النذور، والإنفاق العام. كلّها وسائل شرعية لمعالجة الفقر، لكن الزكاة تبقى 2.5% كما هي.
وكما لا يجوز الزيادة،لا يجوز النقصان. وفي المقابل، قد تمرّ بعض المجتمعات بأزمات اقتصادية خانقة؛ قلة تجارة، كساد الأسواق، وانحسار حركة البيع والشراء. فيصرخ الناس: الأوضاع صعبة! ليكن مقدار الزكاة 2%، أو 1.5% حتى نتخفّف قليلًا! والجواب: لا،الأزمة الاقتصادية تمضي في طريقها. والزكاة تبقى على طريقها، لا تنقص ولا تتبدّل.
هل يجوز تقصير مدة الحول؟ وكما لا تُغيَّر النسبة، كذلك لا تُغيّر مدة الحول. فقد يقترح بعض الناس: لِمَ لا نجعل الحول عشرة أشهر؟ أو ثمانية؟ أو ستة؟ كي تتكرّر فرص توزيع الزكاة، وتصل إلى الفقير أسرع؟ وظاهرُ هذا الاقتراح رحمة، لكنه مخالف لطبيعة العبادة. والحول- سنةٌ قمرية كاملة- حكمةٌ إلهية ليست خاضعة للقياس البشري. وقد يكون في تقصير المدّة ضرر آخر لا يراه الإنسان؛ إذ قد يمنع الناس من استقرار أموالهم، فيضيع المال قبل أن يبلغ حقّه. ولهذا البحث صلة وسنذكر طرفًا منها لاحقًا.
الزكاة نظام واحد من أنظمة الاقتصاد الإسلامي لتخفيف حدّة الفقر، وليست الحلّ الوحيد. يجب أن نقرّر أمرًا واحدًا بوضوح: لا يجوز أن تُكتب سيناريوهات إصلاح ثم تُفرَض على أحكام الشرع لتوافقها. العبادات توقيفية، لا تُعدَّل ولا تُخصَّص حسب رغبات الناس.
والزكاة مشروع ربّاني لمحاربة الفقر، ولكنّها ليست المشروع الوحيد. حين يريد البعض أن يجعلوا الزكاة وحدها مسؤولة عن إنهاء الفقر كلّه، فهم يحمّلونها ما لم تُكلّف به أصلاً، ويتجاهلون عشرات الأبواب الشرعية الأخرى التي تُعالج الفقر والاحتياج.
ولو درستَ نظام التكافل الإسلامي دراسة متأنية لرأيت أنّ المجتمع المسلم، إن التزم بما شرعه الله، لا مكان فيه لجائع، ولا لمهمَل، ولا ليتيم ضائع، ولا لذي حاجةٍ يقف وحده في الظلام.
أحكام الزكاة ليست بشرية لنجري عليها التعديلات، جاءت من وحيٍ إلهي، لا من عقل بشري. ولهذا فليس لنا أن نضيف أو ننقص أو نعدّل. قد تخفى علينا الحكمة، وقد تغيب عن أنظارنا بعض الأبعاد الاجتماعية أو الاقتصادية، لكنّ الله يعلم ونحن لا نعلم.




