قال لي صديقي - وكأنه يفتح بابًا إلى عالمٍ من الوهم - قصةَ ربحٍ يتدحرج من القاع إلى القمة، في صورة هرمٍ تتضخم طبقاته كلّ ما اتّسعت دوائره. تجارةٌ يسمّونها تجارة Spice Magic Limited Co. ؛ شركةٌ تدّعي أنها تجمع التوابل الأصيلة من وديان كورغ ونيلغيري ببلاد الهند، لتصدّرها إلى بلاد بعيدة. غير أنّ رائحة الاحتيال كانت أقوى من رائحة الهيل والقرنفل التي تفاخروا بها.
قال لي الرجل بثقة: ليس عليك إلا أن تشتري منتجًا مرّة واحدة. فإن لم تشترِ بعدها، فلا بأس، فقط اجلب غيرك، ودع الباقي علينا. ثم أخذ يرسم على الورق هرماً ضخماً، وكلّما أضاف اسماً إلى أسفله، ادّعى أن الأرباح ستصبّ في جيبي دون أن أشعر، حتى لو كنتُ - على حدّ قوله – جالساً أحتسي الشاي، أو مستلقياً ناعسًا، أو حتى أحكّ ظهري! عندها لم أستطع منع ضحكتي، فقد بلغت السذاجة حدًّا لا يُطاق.
لكن الحق يُقال: رغم سخافة ما يعرضونه، فقد خامرني - في فترات الشرح الأولى - شعور خافت بالفضول. فالموقع الإلكتروني كان مبهرًا: صورٌ لحقول التوابل، قوارب مفروشة، منتجعات، وجوهٌ لسياسيين ورجال أعمال يظهرون وكأنهم يباركون المشروع. شهادات نجاح، صور عائلات تنتقل بين المنتجعات، عناوين بريدية، وأرقام هواتف كلّها موضوعة لترسم هالة مصطنعة من المصداقية.
زد على ذلك ذلك الكتيّب الفاخر الذي لا يُشبه منشورات الشركات الصغيرة قطّ؛ ورقٌ سميك، تصميمٌ أنيق، طباعة محترفة… ثم أخبرني بفخر أنه وزّع ثلاثة نسخ: واحدة لي، وأخريين لمن سأقوم - كما توقع - بتجنيدهما لاحقاً!
ولم يكتفِ بهذا، بل أخذ يذكر أسماء أشخاص نعرفهم؛ زملاء وقريبين وأناسًا نراهم كلّ أسبوع، كلّ ذلك ليقول لي: إنّ هؤلاء جميعاً دخلوا واشتدّت عافيتهم المالية. فكيف تشكّ؟ وكيف تتأخّر عن الركب؟ لكنّني لم أكن بحسن حظي مّمن يسقط تحت هذه الإغراءات التى تصب على الزبون المال صبّا بطريق سرية.
ففي زمن الربح السريع صارت الحِيَل كثيرة، وصرتَ ترى أناسًا يبيعون مجوهرات زوجاتهم، أو يرهنون بيوتهم، أو يجمعون ما ادّخروه لسنوات، فقط لأن أحدهم وعدهم بأن الملايين ستأتي بلا تعب. وفي البداية تأتي الأموال.. نعم، تأتي. ويبدأ الضحية يعيش أحلام الثراء: رحلات، سيارات، طعام فاخر… ثم فجأة ينقطع كل شيء. فالأرباح التي كانت تأتي ليست إلا فتات أموال الداخلين الجدد، وحين يتوقف الداخلون… يتوقف كل شيء. وهنا يجد الضحية نفسه كالسّمكة التي ابتلعت الطُعم ؛ تُسحب من الماء، تتلوّى طلبًا للنجاة، لكن لا خلاص.
وقد رأينا - للأسف - مئات بل آلافًا من الناس يسقطون في نفس الفخّ. والأسوأ أن بعض هذه الشركات تضع في واجهتها أشخاصًا من أهل الثقة في المجتمع، وربّما يفعل أولئك ذلك، جهلاً لا خبثًا، فيتحوّلون بلا قصد إلى أدوات تُضلّ الناس.
الإسلام بحكمته وعدله حذّر من هذه الأساليب قبل أن تُعرف في الاقتصاد الحديث. فكلُّ معاملةٍ تقوم على الغرر، أو الجهالة الفاحشة، أو أكل مال الناس بالباطل، فهي محرّمة. قال تعالى:﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
وما هذه التجارة إلا صورة واضحة لأكل أموال الناس بالباطل. قائمٌ على خداعٍ ووعودٍ لا أصل لها، وربح لا ينتج عن بيع حقيقي، بل عن استنزاف أموال الداخلين الجدد. وهذا يدخل في معنى الغرر الفاحش والرسول ﷺ نهى عن بيع الغرر. كما أنها تقوم على ما يشبه القمار؛ قليل يدفع والكثير ينتظر حظّه في الثروة، فيربح واحد ويخسر عشرون. بل إنّ العلماء أفتوا صراحة بأنّ التسويق الهرمي والمال الدوّار حرام شرعًا لفساده وظلمه وضرره بالمجتمع.
هؤلاء الذين يلوّنون بالكلام وجه الباطل، ويعدون الناس بمال بلا عمل، كيف سيقفون بين يدي الله وقد أكلوا أموال الضعفاء؟ ومن يقترف هذا الظلم، كيف يهدأ في قبره وقد علّق بذمته ديونًا لا تُحصى؟ والنبي ﷺ لم يُجز الصلاة على من عليه دين؟ فيا أيها المخادعون، بئس ما تفعلون، ويا لضيعة شأنكم!"




