تخيل أنك افتتحت صيدليةً، وكانت التجارة فيها تسير بشكل طبيعي؛ بالكاد تغطي الأرباحُ الإيجارَ والرواتبَ دون فائض يذكر. وبعد فترة من الركود، وبينما كنت تتناول وجبتك، لمعت في ذهنك فكرةٌ: لماذا لا تفتتح عيادةً بجانب الصيدلية وتأتي بطبيبٍ؟ هل في ذلك خطأٌ؟ بالطبع لا! وبالفعل، استقر الطبيبُ، وبدأ المرضى يتوافدون، فانتعشت التجارةُ تدريجياً. ومع الوقت، كبر الطموحُ؛ فلكي تزيد مبيعاتُ الأدوية، لا بد من زيادة المرضى، ولكي يزداد المرضى، يجب أن تنتشر الجراثيمُ. غصتَ في أفكارك حتى تفتق ذهنك عن حيلٍ شيطانية -لن نبوح بها هنا-، وما هي إلا شهورٌ حتى انتشرت الأوبئةُ كالإسهال والقيء واليرقان في المنطقة. تكدس المرضى أمام العيادة، وازدهرت التجارةُ بشكل جنوني. هل في ذلك خطأٌ؟ نعم، وألف خطأ!
ثمة تجاراتٌ خفيةٌ وعوالمُ سفليةٌ تدار في هذا العالم وراء الكواليس. هناك بشرٌ قلوبهم كالحجارة، لا يرون إلا أنفسهم وتجاراتهم وأرباحهم، ولا يبالون لو دمروا العالمَ كله في سبيل أن تتدفق الأموالُ إلى خزائنهم دون انقطاع. ولعل تجارة السلاح والمخدرات، ومن ثم الاتجار بالأعضاء، هي أبشع الأمثلة على ذلك. هل نحتاج للسلاح؟ بكل تأكيد؛ فالسلاحُ ضروريٌّ للدفاع عن النفس ضد اللصوص، ولحماية الوطن حين يهاجم الأعداءُ الحدودَ. إن إنتاج السلاح وتوزيعه بقدر الحاجة أمرٌ مشروع، ولكن أن تُفتعل الحروبُ ويُحرض الناسُ ضد بعضهم البعض، وتُبث مشاعرُ الرعب الدائم لضمان بيع السلاح -تماماً كما نُشرت الجراثيمُ لبيع الدواء- فهذا هو الخزيُ بعينه. تُبرم صفقاتُ السلاح بمليارات الدولارات سنوياً، ويُضحي البشرُ بأرواحهم الطاهرة قرباناً لها. إن هؤلاء التجار لا يهمهم أن يفنى البشرُ، المهم لديهم أن تزدهر التجارةُ وتتحقق الأرباحُ.
تأملوا في حال تجارة المخدرات؛ فهي تنهش العقلَ والقدرةَ على التفكير، وهما أسمى ما يمتلكه الإنسانُ. إن كميةً ضئيلةً من هذه السموم كفيلةٌ بأن تقذف المرءَ في غياهب الإدمان. ولم يعد سراً أن مافيا المخدرات بدأت منذ فترة تتسلل إلى المدارس والجامعات بحثاً عن أسواق جديدة. يجب أن نتذكر دائماً أن أبناءنا هم النجومُ التي تضيء سماءَ حياتنا، وهم العيونُ التي يبصر بها مستقبلُ البشرية. لكن ثقافةَ الجشع والمتاجرة بالبشر قد جعلت البعضَ دنيئاً إلى حد لا يتردد فيه عن تدمير هؤلاء الأطفال في سبيل ربح مادي قذر.
تعد التجارةُ الوسيلةَ الأهم لزيادة الثروات. ومهما تعددت المجالات من زراعة وصناعة وإنتاج وخدمات، فإنها تصب في نهاية المطاف في مجرى التجارة. ففي الزراعة مثلاً، لا يأتي المالُ لمجرد بذر البذور ونمو الزرع وحصاده، بل لا بد من بيع المحصولِ. وكذلك الحال في الصناعة؛ فالمواد الخام التي تدخل الآلاتِ وتخرج منها منتجاتٍ متراكمةً لا قيمة لها ما لم تُبع وتتحول إلى سيولة مالية. علاوة على ذلك، أصبح كل إنسان في عالمنا المعاصر جزءاً من العملية التجارية بشكل أو بآخر. ومن هنا، تبرز الأهميةُ القصوى للبحث في أخلاقيات وثقافة التجارة التي قدمها الإسلامُ كمنهج للحياة.
تأملوا في فظاعة مفهوم الاتجار بالأعضاء البشرية؛ أي وحشية هذه؟ نحن نعيش في زمن تغلغلت فيه مافيات سوداء تستغل عجز إنسان مثلنا، فتقوم بانتزاع أعضائه الداخلية دون علمه لبيعها بأثمان باهظة. ومما يثير الذهول حقاً أن نكتشف تواطؤ بعض المؤسسات الطبية -التي من المفترض أن تكون حارسةً لجسد الإنسان- في هذه الجرائم بشكل خفي. إن هذا يكشف لنا إلى أي مدى وصل الجشع البشري المنفلت من كل عقال.
قد يزداد شغف الإنسان بالمال حتى يتحول إلى طمع أعمى، ثم ينقلب إلى قسوة متجذرة. وبما أن الإنسان كائن ضعيف بطبعه، فقد يستسلم لهذا الطمع ويطبقه في ممارساته التجارية، مما يؤدي في النهاية إلى هلاك المجتمع. إن الشخص الذي يتبنى رؤية مادية بحتة قد لا يرى في هذه الأفعال مشكلة، إذ لسان حاله يقول: أنا ومن بعدي الطوفان، وما شأني بمصلحة الآخرين ما دمت أحقق لذتي ومنفعتي؟ لكن حين ننظر للأمر من منظور ديني، سنجد أن هناك توجيهات دقيقة وضوابط صارمة وُضعت لتنظيم هذه السلوكيات وحماية البشرية.
سأعرض لكم الآن بضع آياتٍ متتالية من القرآن الكريم، لنتأمل معاً كيف تصف هذه الآياتُ الحالةَ النفسية للإنسان قبل التجارة وبعدها:
سورة النساء - 27: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا.
28: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا.
29: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا.
30: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا.
31: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا.
تغوص هذه الآياتُ في أعماق النفس البشرية؛ ففي الآيتين الأوليين نجد إشارةً إلى أن الإنسان قد تغلبه الشهواتُ، وأنه خُلق كائناً ضعيفاً قد يعجز أحياناً عن مقاومة الإغراءات. أما الآياتُ اللاحقة، فتأتي كتحذير شديد اللهجة لمن يترك الصراط المستقيم ويسلك دروب الظلم والعدوان.
إن استحواذ المادة على العقل يمثل خطراً جسيماً؛ إذ يتوهم الإنسانُ حينها أنه سيدُ الكون ولا سلطة فوق سلطته، فيندفع لجمع المال بأي وسيلة كانت مهما بلغت درجة فسادها. وهنا يأتي التحذيرُ القرآني ليضع حداً لهذا الجموح. وفي قلب هذا السياق، يتوسط الحديثُ عن التجارة، حيث ركز القرآنُ على مصطلح جوهري هو التراضي. وكلمة تراضٍ مشتقة من الرضا، وصيغتها اللغوية تدل على المشاركة بين طرفين، أي أن يكون الرضا متبادلاً وتاماً بين البائع والمشتري.
عندما يقوم شخصٌ ببيع سمكٍ فاسدٍ بعد رشه بمواد كيميائية ليظهر طازجاً، أو يعرض قرون ثورٍ وهو يبيع لحمَ بقر، أو يلمع حباتِ ليمون تالفة ليبيعها بسرعة؛ فإنه يشعر بنشوة الربح. يمتلئ جيبُه بالمال فيرضى مرتين: رضا ببيع بضاعته، ورضا بقدرته على خداع الناس وتسويق الفساد على أنه جودة. لكن هذا الرضا هو رضا من طرف واحد فقط. وهنا يأتي إعجاز القرآن في كلمة واحدة تختصر المشهد؛ إذ يقول: لا يكفي هذا، بل يجب أن يكون التراضي من الطرفين.
تخيل في المقابل أن المشتري حين يطبخ السمك يجد جودته كأنه قفز من الماء إلى المقلاة، ويجد اللحمَ نابضاً بالحيوية، والليمون ذو طعم ورائحة لا يُعلى عليهما. هذا المشتري سيعود في اليوم التالي باحثاً عن نفس التاجر، بل وسينصح أصدقاءه به. هذا هو جوهر الرضا المتبادل. لنتأمل الآن في ماضينا؛ كم مرة شعرنا بهذا النوع من التراضي حين بعنا أو اشترينا؟ وكم مرة تألمنا حين اكتشفنا أننا خُدعنا؟ وكم من المرات خُدعنا فيها دون أن ندري حتى اللحظة؟ حين ندرك ذلك، تتجلى لنا الأهميةُ الروحية لثقافة تجارية شفافة تقوم على التراضي الصادق بين البشر.




