في وسائل التواصل الاجتماعي ظهر فيديو مصوّر: كلب صغير وقع رأسه في فتحة حاوية إسمنتية، وقد حاول أن يُدخل رأسه إليها ليظفر ببقايا طعامٍ فيها، لكنه عجز عن إخراج رأسه بعد ذلك.
شاهد أحد الأطفال المشهد، فأسرع ينادي صاحب مدوَّنة فيديو في الجوار. فجاء الرجل مسرعًا يحمل مطرقته، وضرب جوانب الفتحة قليلًا حتى اتسعت، فانفكَّ رأس الكلب ونجا.
عنون الرجل الفيديو بقوله: عندما ظهر الاله في مطرقَتي، ولا يحتاج المرء إلى كثير كلام ليصف عظمة ما قام به؛ فإن مثل هذه الأفعال البسيطة هي ما يمنح للحياة معناها الإنساني.
لعلّ تلك الكلبة تبحث عن قوت صغارها، ربما رأت كسرة خبز داخل الحاوية، فاندفعت إليها. ودفع هذا المدوّن إلى هذا العمل الطيب ميوله النفسي عن حالة صغار الكلبة التي تنتظر أمّها جائعة.
وليس هذا الحادث بدعًا من التاريخ، فقد حفلت صفحات الماضي بأمثال هذه المواقف التي تشهد على عاطفة الإنسان تجاه المخلوقات.
وقد أخرج الإمام البخاري أخبارًا عجيبة في هذا الباب تدهش القلوب. منها: أنّ رجلًا كان يمشي وقد أضناه العطش، فوجد بئرًا فنزل إليها وشرب، ثم صعد، فإذا بكلبٍ يلهث ويلعق الثرى من شدّة الظمأ! فرقّ له قلب الرجل وقال: لقد أصابه من العطش مثل الذي أصابني. فعاد إلى البئر، وملأ خفّه ماءً، ثم عضّ عليه بأسنانه وصعد في مشقّة، وسقى الكلب. لم يكن الرجل كثير العبادة ولا من أصحاب الصلاح الظاهر، لكن الله أدخله الجنة ببركة تلك الرحمة. وهذه حكاية رواها النبي ﷺ.
وروى ﷺ خبرًا آخر عن امرأةٍ كانت تُكثر من العبادات والأذكار، غير أنها حبست قطةً، لا أطعمتها ولا تركتها تبحث عن رزقها، حتى ماتت جوعًا، فكان مصيرها النار.
وهكذا يظل التاريخ شاهدًا: قد يرفع الله إنسانًا برحمةٍ يفيض بها على كائن ضعيف، وقد يهوي آخر بظلمٍ يسيرٍ يقترفه في حقّ مخلوق صغير.
هنا حادثة أخرى تتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك، كان رسول الله ﷺ يمشي في أحد الطرق، فسمع صوتًا يناديه، فالتفتَ، فإذا هي ظبية قد وقعت في شِراك الصيادين. كانت تضطرب وتناديه بحزنٍ شديد. اقترب منها النبي ﷺ، فإذا بها أنثى قد امتلأ ضرعها باللبن. فسألها النبي : «ما حاجتك؟» قالت الظبية بصوتٍ يفيض ألمًا: يا رسول الله، إن لي جَفلتين (صغيرين) على قمة ذاك الجبل، قد أضناهما الجوع. أنا هنا أسيرة، لا أستطيع أن أذهب إليهما. أطلِق سراحي حتى أذهب فأرضعهما، ثم أعود إليك. فإن لم أعد فليعاقبني الله.
نظر النبي ﷺ إليها، ثم قال: إن أطلقتك، أفتعودين؟ قالت: نعم، وربّي! لن أخلف وعدي. فأذن لها فانطلقت مسرعة إلى صغارها، فأرضعتهما حتى ارتويا، ثم عادت من فورها.
حينئذٍ شدّها النبي ﷺ ثانيةً وأقام إلى جوارها حتى جاء الصيادون يطلبون صيدهم. فقال لهم: أتَبيعونني هذه الظبية؟ فأعطوها له مسرورين. فأطلقها رسول الله ﷺ. وما إن أُطلقت حتى قفزت الظبية فرِحة، وهي تهتف: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، ثم انطلقت صاعدةً نحو الجبل.
هنا حكاية أخرى تختلف عن قصة الظبية، فهي قصة الناقة التي شكت للنبي ﷺ. يروي جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنّه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، فإذا بجملٍ يُقبل مسرعًا حتى برك بين يدي النبي ﷺ وخفض رأسه، كأنه يسجد بين يديه. فجلس النبي ﷺ وأقبل عليه، ثم التفت إلى أصحابه وقال: لِمَن هذا الجمل؟ فقال بعض الأنصار: هو لنا يا رسول الله. قال ﷺ: وما شأنه؟ قالوا: استعملناه عشرين عامًا في سقي مزارعنا، فلما ضعُف ولم يعُد يَقوى على العمل، همَمنا أن نذبحه لنطعم أولادنا، فهرب منّا.
فقال النبي ﷺ: «أتدرون ما يشكو إليَّ؟ لقد أخبرني أنّكم استعملتموه في شبابه حتى أنهكتموه، فلما كبر وضعف، هممتُم بذبحه!.
ث م قال ﷺ: «أفلا تبيعونه؟»قالوا: بل نهبك إياه يا رسول الله. فقال: لا، لا حاجة لي فيه. ولكن عاهِدوني أن تُحسنوا إليه ما دام حيًّا، ولا تُسيئوا معاملته حتى يأتي أجله.فأبقاه القوم في كنف الرحمة حتى مات حتف أنفه، وقد حاز شرف الشكوى بين يدي نبيّ الرحمة ﷺ.
وليست هذه الحكايات من نسج الخيال أو من خرافات القصاصين بدون مصادر، بل لها سند ورواة من الصحابة، نقلوها كما سمعوها ورأوها.
ربما يسأل واحد، كيف يقع مثل هذا في عالم الحيوانات !
الجواب: إنّ الذي خلق الكون كلّه هو الله، وهو الذي أجرى قوانينه ونُظمه، وهو القادر على أن يغيّرها متى شاء، وأن يُجري خوارق العادات على يدي أنبيائه لتكون آياتٍ شاهدةً على صدق رسالتهم. ومن هذه الآيات: انشقاق القمر، وشكوى الحيوان، ونطق الجماد، وكلّها ليست أوهامًا ولا خيالات، بل وقائع أثبتها التاريخ ونقلها الثقات ممن رأوها وعاينوها، بل دخل كثير من الناس الإسلام لما شاهدوا مثلها.
ومن أعجب ما روي في هذا الباب: قصة الضبّ.
كان رسول الله ﷺ جالسًا مع أصحابه، فمرّ رجل من أهل البادية يصطاد، وقد أمسك بضبٍّ ليذبحه ويأكله. فسأل عن القوم، فقيل له: هؤلاء أتباع محمد ﷺ الذي يزعم أنه نبي. فلمّا سمع ثار غضبه، واندفع إلى مجلس النبي ﷺ غاضبًا وقال:واللات والعزّى! ما رأيت وجهًا أبغض إليَّ من وجهك، ولولا أن قومي يعيّرونني بالجبن لقتلتك وأرحت قريشًا منك!.
ثم سأل النبيّ: ماذا لك أن تقول؟ فقال النبي : تؤمن بالله ورسوله لتنجو من النار، فغضب أشدّ ما كان قبل، ثم رمى بالضبّ بين يدي النبي ﷺ متحديًا: لن أؤمن بك أبدًا حتى يؤمن هذا الضبّ بك!
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاضرًا، فثار وقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه! لكن النبي ﷺ قال له: رويدك يا عمر؛ إنما يكون النبي حليمًا صبورًا.
ثم التفت ﷺ إلى الضبّ، وقد كان يحاول أن يهرب، فناداه: ــيا ضبّ، أقبل! فأقبل الضبّ قائلا لبيك وسعديك . فسأل : بمن تؤمن ؟ أؤمن بمن في السماء أمره، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عذابه.
قال النبي ﷺ: فمن أنا يا ضبّ؟قال: أنت رسول الله، خاتم النبيين، من أطاعك سعد ونجا، ومن عصاك هلك وشقي.
حين سمع الأعرابي هذا الكلام، وقع العجب في قلبه، وقال مندهشًا: والله ما رأيت أعجب من هذا اليوم،الضبَّ ينطق بلسانٍ عربيٍّ مبين، لم يتمالك نفسه من الدهشة، فصاح قائلاً:
ــ «يا للعجب! أنا الذي اصطدت هذا الضبَّ بيدي، ووضعته في جيب ردائي، فإذا به الآن يتكلم أمامي! ليس ذلك فحسب، بل يشهد أن محمدًا رسول الله! أيُّ برهانٍ أعظم من هذا؟ أأكفر بعد أن رأيت الدليل بعيني وسمعته بأذني؟»
ثم أطرق برهة، ورفع صوته معلنًا إيمانه: ـ «أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أشهد بذلك بقلبي ولساني وجلدي وشعري وعظمي! لقد جئتُ إلى هذا المجلس وأنا أبغضك يا محمد أكثر من أي إنسان على ظهر الأرض، وها أنا ذا الآن أحبك أكثر من سمعي وبصري، بل أكثر من أهلي وولدي ونفسي».فقال: «الحمد لله الذي هداني على يديك». فتبسّم النبي ﷺ سرورًا، وأمر بعض الصحابة أن يعلّموه شيئًا من القرآن الكريم. فصار بعد قليل يردّد آيات الله بخشوع.
ورأينا هنا بعض العجماوات التي تحدثت النبي صلى الله عليه وسلم وأبدى رأيهنّ أمامه ، هل هناك وقائع تكلمت فيها الجمادات للنبي صلى الله عليه وسلم؟ سنتحدث عنها إن شاء الله.




