هل سمعتَ عن أُهبان بن أوس؟ ذلك الصحابي الجليل الذي بايع رسول الله ﷺ في بيعة الرضوان، وكان يسكن في موضع يُقال له يَبنَة. لقّبوه بـ مُكَلِّم الذئب، أي الذي كلمه الذئب، ووراء هذا اللقب قصة تهزّ القلب إيمانًا وعجبًا.
كان أُهبان يومًا يرعى غنمه في منطقة تُدعى وَبرَة، فإذا بذئبٍ ينقضّ على شاةٍ من القطيع ويخطفها. فما كان منه إلا أن أسرع وراءه حتى انتزعها من فمه، وأنقذها من أنيابه. عندها صعد الذئبُ إلى جبلٍ قريب، وجلس وقد وضع يديه على الأرض وأدخل ذَنَبَه بين رجليه، ثم التفت إلى الراعي وقال بصوتٍ يسمعه بوضوح:
يا عبد الله، تأخذ رزقًا رزقنيه الله! أما تتقي الله؟
دهش أُهبان، وارتعدت مفاصله، وقال في نفسه: ما مرّ بي مثل هذا اليوم قط! عجبٌ عجاب! ذئبٌ يتكلم بلسان البشر ! فأجابه الذئب وهو يشير نحو المدينة المنوّرة:
أتعجب من كلامي؟ فالعجب أعجب من ذلك. بين الحرّتين، في أرض النخيل، هناك رجلٌ يخبر الناس بما كان وما سيكون، نبيٌّ عظيم لم يُبعث مثلُه من قبل. فُتحت له أبواب السماء، وبُشّر بالرضوان، وأنتَ هنا ترعى الغنم، لا تدري عن خبره، ولا تؤمن به؟ وليس بينك وبينه حاجز إلا هذه الأكمة، أما آن لك أن تسير إليه، فتؤمن به، وتكون جنديًّا في سبيل الله؟
حين حدّث الذئبُ أُهبانَ بن أوس بما سمع، قال الراعي متردّدًا:إن أنا ذهبتُ لأرى هذا النبي، فمن يرعى غنمي؟ فأجابه الذئب بصوتٍ مطمئنٍ عجيب: اذهب، وسأحرسها لك حتى تعود.
فودّع أُهبانُ قطيعه، وتركه في ذمّة الذئب، وسار قلبه يفيض بالدهشة والخشية، حتى بلغ المدينة المنوّرة، ودخل على رسول الله ﷺ وقصَّ عليه ما جرى. وأسلم.
كان النبي ﷺ وأصحابه يستعدّون لصلاة العصر، فلمّا انتهت الصلاة دعا النبي ﷺ أُهبان، وطلب منه أن يحدّث القوم بما رأى وسمع. فقصّ القصة كما وقعت، والدهشة تعلو الوجوه، ثم قال النبي ﷺ: صدقَ الرجلُ فيما قال. وإنها لآيةٌ من آيات الله، وسيأتي على الناس زمانٌ يُخبر فيه الرجلُ بما وقع في داره بعد خروجه، حتى يُحدِّثه نعلُه أو سوطُه بما فعل أهلُه من بعده.ثم قال له ﷺ برفقٍ: ارجع إلى غنمك، فإنك ستجدها كما تركتها، لم يمسّها سوء.
عاد أُهبان إلى مرعاه، فإذا بالغنم كما هي، لم يفتقد منها شيئًا، والذئب قائمٌ على مقربةٍ منها يحرسها في أمان. عندها ذبح له شاةً شكراً لله، ورجع بقطيع من غنمه.
إنها تجربةٌ عاشها رجلٌ من لحمٍ ودم!، سُجِّلت في صفحات التاريخ، لا في الأساطير.كان هذا الرجل يهوديًّا، ثم ترك دينه القديم، واعتنق الإيمان الجديد، والتحق بركب النبي ﷺ، وجاهد في سبيله مضحيًا بنفسه.
فما الذي ألهمه هذا التحوّل العظيم؟ إنه يقينٌ راسخٌ بأن ما آمن به هو الحقّ، وبأن محمدًا ﷺ رسولٌ صادق.
لكن ما الذي كان سببًا في نشأة هذا اليقين؟ إنه كلام الذئب! نعم، تلك الحادثة العجيبة كانت مفتاح قلبه، وباب هدايته إلى النور.
وهل كانت هذه التجربة خاصةً به وحده؟ كلا، بل كم من رجالٍ ونساءٍ في التاريخ رأوا من الآيات والعجائب ما هزَّ وجدانهم، فغيَّر مسار حياتهم، وفتح لهم باب الإيمان.لقد رأوا معجزاتٍ، فدخلوا عالمًا جديدًا من اليقين، وتحوّلوا إلى بشرٍ آخرين، مستعدين أن يبذلوا أرواحهم في سبيل النبي ﷺ، وفي سبيل الحقّ الذي أضاء قلوبهم بعد ظلمة الشكّ والضلال.
ليست قصة الذئب التي كلّم أُهبان بن أوس خبرًا منزوياً في بطن كتاب واحد، بل هي رواية تتابع نقلها المحدثون والمؤرخون في مصنفات متعددة، بأسانيد متقاربة وألفاظ متنوّعة، جمعتُها في صورة واحدة متكاملة.
ومن أعجب ما نطق به الذئب قوله لأُهبان: إنّ نبيًّا في المدينة يخبر الناس بما مضى وما هو آتٍ. تأمل هذا الوصف العجيب الذي صدع به مخلوق من البريّة! فهو يشهد بأنّ النبي ﷺ يتحدّث عن الغيب، عمّا مضى وعمّا سيأتي. وكيف لا يكون ذلك معجزة، وهو يتحدث بما لا تدركه الحواس، ولا يبلغه علم البشر بوسائلهم المحدودة؟ إنها شهادة من كائنٍ لا يعقل، لكنها صدرت بأمر من الله لتكون آية على صدق نبوّته.
وقد تحقق ما أشار إليه الذئب حين قال إن النبي ﷺ يُخبر بما سيقع في المستقبل، فقد أنبأ رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح أنّ من علامات الساعة أن تتكلم البهائم مع الناس، وأن تحدّثهم الجمادات بما يفعلون. ﷺ بعد أن استمع إلى أُهبان:صدق الرجل. سيأتي على الناس زمانٌ يُحدَّث فيه المرءُ بما فعله أهلُه من بعده، حتى يُخبره نعلُه أو سوطُه بما صنعوا.
بل إن مجيء النبي ﷺ نفسه علامة من علامات الساعة، فقد قال وهو يقرّب بين إصبعيه السبابة والوسطى:
بُعثت أنا والساعة كهاتين. ثم تأمل قول الله تعالى في مطلع سورة القمر: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾.
فانشقاق القمر الذي شهده أهل مكة كان آيةً كبرى، ودليلًا على اقتراب اليوم الموعود. وإذا كانت تلك الحادثة من علامات الساعة، فحديث الذئب هذا من جنسها أيضًا، لأنه نطق بما لا ينطق به مثله إلا بإذن الله.
ومن الأمور العجيبة التي أخبر بها النبي ﷺ قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا: نُطق الجمادات، أي تكلّم الأشياء التي لا روح فيها. فقد جاء في الحديث الشريف أن الإنسان في آخر الزمان إذا خرج من بيته، حدّثه سوطه، أو نعله، أو ما في يده وقدمه، بما جرى في بيته من بعده.
تأمل هذا الحديث العجيب، وتأمل زماننا اليوم! ألا ترى أن الإنسان يحمل في يده موبايلا صغيرًا يخبره بكل ما يقع في بيته لحظةً بلحظة؟ ينقل له الصوت والصورة مباشرة، كأنه حاضرٌ وهو غائب، يرى ويسمع من وراء الجدران!
إننا نعيش في عصرٍ تحققت فيه هذه النبوءة العجيبة، عصرٍ تتكلم فيه الأشياء، وتخبر الإنسان بما لا يراه بعينه.بل ربما لم تصل بعدُ هذه الظواهر إلى كمالها، وسنكون – كما قال ﷺ – شهودًا على زمنٍ يتحدث فيه كل ما حول الإنسان،فيتحقق قول النبي الكريم في أتمّ معانيه، لتبقى كلماته نورًا لا يبهت، ودليلًا على صدق رسالته إلى قيام الساعة.
ومن أشراط الساعة : إنّ من تأمل الأحاديث النبوية في شأن أشراط الساعة أدرك أنّها ليست مجرد كلماتٍ ماضية، بل هي أنوار هادية تمتدُّ عبر الزمان، تذكّر القلوب بأنّ وعد الله حق، وأنّ ما أخبر به نبيّه ﷺ حقٌّ لا ريب فيه. فقد أخبرنا رسول الله ﷺ بعلاماتٍ، ظهرت أمامنا اليوم، منها: ما قاله رسول الله ﷺ: أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. نعرف أنّ العرب في عهده صلى الله عليه وسلم يعيشون في البادية، حفاةً عراةً فقراء، يرعون الغنم والإبل. ثم شاء الله أن يفيض عليهم من نعمه، فانفجرت من أرضهم ينابيع النفط، وتحوّلت الصحراء إلى مدائنَ عامرة. واليوم ترتفع في بلادهم أبراجٌ تناطح السحاب، يتسابقون في العلوّ والترف. أليست نبوءة النبي ﷺ قد تحققت كما هي؟!
فها هو برج خليفة ( برج دبي) في إمارة دبي أكبر المباني ارتفاعا يبلغ ارتفاعه 829 مترا من الأرض. وسمعنا الآن أن المملكة السعودية تنافس إلى تجاوز هذا الرقم القياسي ببناء برج يكون ارتفاعه أكثر من 1000 متر، أطول من برج دبي ارتفاعا ! . فسبحان من أنطق الصادق المصدوق بما نراه رأيَ العين!.
ومن العجب ما تنبّأ به النبي ﷺ عن الحالة السيئة للمسلمين في آخر الزمان حين صوّها بأحسن تصوير حيث قال: يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.
فقال الصحابة: أمن قلّةٍ نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال ﷺ: لا ، بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حبّ الدنيا وكراهية الموت.
تأمل هذا المشهد في حال الأمة اليوم: مليار ونصف مسلم، ولكن الكلمة مفرَّقة، والهيبة زالت، والدنيا ملكت القلوب! إنه وصفٌ نبوِيٌّ دقيق، يصف حاضرنا بأبلغ بيان.
تأمل عن حديث آخر قالها صلى الله عليه وسلم عن الفتن في آخر الزمان: سيكون بعدي أربع فتن: الأولى منها دمويّة،والثانية يكون فيها القتل ومعه النهب، والثالثة يُنتهك فيها عرض النساء مع ما فيها من القتل والنهب، أمّا الفتنة الرابعة ففتنة عمياء صمّاء، تعمّ بلدًا وتبتلع آخر، تموج كموج البحر، لا يسلم منها أحد. تدور حول بلاد الشام (فلسطين، الأردن، سوريا، ولبنان)، وتغشى العراق، وتمتدّ إلى جزيرة العرب تضربها بيدها ورجلها. يُعاني فيها أمّتي شدائد كما يُكشَط جلد الدابة عن لحمها، فلا يُسمع حينها من يقول: كفّوا، كفّوا! كلّما هدأت في موضع اشتعلت في موضع آخر. ومن نظر إلى واقع الشرق الأوسط اليوم، وما فيه من اضطراباتٍ وحروبٍ ودماءٍ وظلمٍ، علم يقينًا أنّها تلك الفتن التي أنبأ عنها الصادق الأمين ﷺ، فصارت الأمم تقول: كفّوا، كفّوا، ولا أحد يملك إيقافها.
ومن أعجب ما أخبر به ﷺ أنه قال: لتقومن الساعة حتى يَفشو الزنا، حتى يزني الرجل بالمرأة في الطريق يراهما الناس، فلا يُنكر ذلك أحد. وقد رأينا في زماننا ما تصدق به هذه الكلمة النبوية، إذ أصبحت الفواحش علنًا، وتُزيَّن بأسماء الحرية والحقوق، وتُقنَّن القوانين لتبرير الانحراف، ويُهدم بناء الأسرة الذي أراده الله عفيفًا طاهرًا. في بعض دول الغرب، كألمانيا والمكسيك وهولندا والدنمارك، سُنّت قوانين تُبيح الفعل الفاحش في الأماكن العامة، حتى صار الزنا يمارَس في بعض الحدائق والمنتزهات جهارًا نهارًا. وفي نحو ثلاثين دولة حول العالم، أصبح الزنا قانونيًّا بالكامل!
وهكذا يمضي العالم في طريقٍ مظلمٍ لا يُبالي بخطايا الإنسان ولا بعواقبها، حتى صار من الصعب على من يملك الإيمان والغيرة أن يُنكر هذا المنكر. بل يحتاج من يفعل ذلك إلى قلبٍ عامرٍ بالإيمان، وشجاعةٍ أخلاقيةٍ نادرةٍ، وضميرٍ حيٍّ لا يخاف في الله لومة لائم.
ولذلك ورد في بعض الأحاديث أنّ خير الناس في ذلك الزمان هو من يقف على الطريق فيرى المنكر، فيقول: ابتعدوا، ابتعدوا!، فيكون هو آنذاك خير الناس كما كان أبو بكرٍ وعمر في زمانهما، إذ حفظا حدود الله في زمنٍ غلب عليه الفساد.
إنه وجه العالم المنحرف الذي كشفه النبي ﷺ منذ أربعة عشر قرنًا، حين رأى بعين الوحي ما سيؤول إليه حال الناس، فقال الحق الذي لا يتبدل.
روى ابن ماجه في سننه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنّ رسول الله ﷺ قال:لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا.
وها نحن نرى صدق هذا الحديث واضحًا في أمراضٍ لم تكن معروفة من قبل، مثل الأمراض الجنسية المعدية (STDs) التي تفشت في القرن الأخير. وما الإيدز إلا شاهدٌ صارخ، فقد ظهر أول ما ظهر بين من يمارسون الفاحشة والشذوذ، ثم عمّ العالم حتى صار بلاءً يهدد الإنسانية جمعاء. وكل عامٍ تُكتشف أمراضٌ جديدة لا دواء لها، وكأنّ الأرض تئنّ من فساد أهلها.
ثم أخبر ﷺ عن آخر الزمان: يكثر البيع والشراء، وتُفتح الدنيا على الناس، ويُكرم الغني ويُهان الفقير، ويتولى الصبيان أمر الناس، ويظلم الحكام، ويُعقّ الوالدان ويُطاع الصديق.
كأننا نقرأ هذا في نشرات الأخبار اليومية! التجارة تضجّ في كل مكان، المال صار ميزان الكرامة، والأطفال في كثيرٍ من البلدان يملكون القرار قبل أن يعرفوا الحكمة. تُهمل الأم ويُكرم الغريب، وتُبنى العلاقات على المصلحة لا على الوفاء. حتى صار الناس يربّون الكلاب بعنايةٍ وحنانٍ، ويهملون أبناءهم، ويعدّون تربية الحيوان أنبل من تربية الإنسان!
وقال ﷺ أيضًا: يقلّ العلم ويقبض العلماء، وتكثر الفتن، ويُزيَّن المساجد كما تُزيَّن الكنائس. لقد بلغنا زمن الزخرفة والمظاهر؛ تُزيَّن المساجد بالذهب والزخارف، ويُغفل عن عمارتها بالإيمان والخشوع.
وقال ﷺ كذلك: يكثر القتل حتى لا يدري القاتلُ فيمَ قتل، ولا المقتولُ فيمَ قُتل. فكم من حربٍ ودمٍ في أرضٍ لا يعرف فيها أحدٌ من أجل ماذا قُتل أو قاتل!
وقال ﷺ: يشرب الناس الخمر بأسماءٍ يسمونها بغير اسمها.وها نحن نرى الخمر تُباع تحت مسمياتٍ براقةٍ: مشروبات روحية، كوكتيلات فاخرة، وكأنّ تغيير الاسم يُغيّر الحرام إلى حلال! بل حتى الشذوذ، الذي كانت الفطرة السليمة تستقبحه، صار يُسمّى حبًّا واختيارًا شخصيًّا، وتُقام له حفلاتٌ وأعراسٌ ويُسنّ له قانونٌ تحت عنوان الزواج المتساوي!
هكذا نرى – بعيونٍ مفتوحةٍ على الواقع – أنّ ما أخبر به النبي ﷺ ليس ضربًا من الخيال، بل مشاهد من عصرنا الحاضر. فالخير يتراجع، والمنكر يُعلن، والقيم تتهاوى، والعقل يتيه في زحمة الشهوات. ومع كل ذلك، تبقى رحمة الله قريبةً من قلوب المؤمنين الذين يتمسكون بنوره في هذا الليل المظلم.
وهذه علامات ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم عن آخر الزمان والتي تمّ ظهورها أو في قيد الظهور ، وهناك بعض التنبؤات للرسول التى وقعت فعلا في تاريخ حياة الإنسان، وسنورد بعضا منها إن شاء الله.




