كنتُ أنتمي إلى أسرة تعبد النار. وكان أبي يحبّني حبًا شديدًا، يخشى عليّ من كلّ سوء، فلا يتركني أخرج من البيت ولا أختلط بالناس. فلم يكن لي صلة بالعالم الخارجي. جلُّ عملي كان خدمة النار والقيام بشعائرها. لكن نفسي كانت تضطرب. فقلت في خلوتي:نحن نشعل النار بأيدينا ثم نسجد لها ونقدّسها! أليس ذلك سخفًا من القول والعمل؟ النار ليست إلا ظاهرة من ظواهر الكون. فما بالنا لا نعبد الريح أو التراب أو الهواء أو الماء؟
ما خصّيصة النار دون غيرها؟ هل النار هي التي منحتنا الماء لنشرب؟ هل النار هي التي رزقتنا الطعام لنقتات؟
هل النار هي التي منحتنا الحياة؟ فلماذا إذن نخرّ لها ساجدين؟
وذات يوم، دعا أبي إلى قضاء حاجة فأرسلني على كره منّي إلى خارج البيت. هنالك رأيت العالم لأول مرة، ورأيت الناس على أديان شتّى، وعادات مختلفة. وتيقّنتُ أن أسرتي لم تكن وحدها على هذه الأرض. مررتُ في الطريق على قوم من النصارى، فأعجبتني عبادتهم. جلست عندهم حتى غروب الشمس، ووجدت في دينهم خيرًا ممّا أنا عليه. وأخبروني أن أصْل ديانتهم في أرض الشام. فتاقتْ نفسي أن أرحل إليها، وأوصيتهم إن جاء تجار من الشام أن يخبروني لأرافقهم. فوافقوا على ذلك. مرت الأيام، وجاء القوم فأوفوا بعهدهم، وأخبروني. تسلّلت من حبس أبي، وخرجتُ سرًّا حتى لَحِقت بالقافلة، ورحلت إلى الشام. هناك وجدت أرضًا جديدة، وثقافة جديدة، وأجواء مختلفة، ورفاقًا آخرين. وأيقنتُ أن عليَّ أن أواصل البحث: أن أعرف حقيقة هذا الكون، وأن أتعرّف على رب الوجود، وأن أفهم سرَّ الحياة.
تساءلتُ: من أوجد السماوات والأرض؟
ولماذا وُجدت؟
وما غاية حياتي؟
من أين أتيت وإلى أين المصير؟
هكذا أزعجني كثير من الأسئلة التي لا أحد يجيب عليها، لمن أسأل ، ومن يجيب عليها؟
وكان لابدّ لي من معلّم يهديني سواء السبيل. فسألت الناس: من أفضل أهل هذا البلد؟ فأرشدوني إلى رجل من القساوسة في الكنيسة. مكثت عنده زمنًا، ورأيت بريقًا في ظاهره، لكنني لم ألبث أن عرفت حقيقته. وما كلّ ما يلمع ذهبا، كان يجمع المال باسم الفقراء، ثم يملأ به جيبه. عند موته أخبرت الناس بخيانته، فصلبوه وعيّنوا غيره مكانه.
غير أنني لم أقنط. قلت: خطأ رجلٍ لا يعني أن الخطأ يعمّ الجميع. فلا يجوز أن أحكم على جماعة بأكملها لذنبِ فرد. وهكذا بدأتُ صفحة جديدة مع راهب جديد، كان رجلا صالحا كالمصباح يضيء لي الطريق. صحبتُه وتعلّمت منه، ولكن لم أتمتّع بهذه الصحبة طويلا، لأنّ أجله دنا.
ولما حضرته الوفاة، سألته: إلى أين أذهب بعدك؟فأوصاني أن أرحل إلى الموصل. فذهبتُ. وهناك لقيتُ رجلًا صالحًا آخر، فخدمتُه حتى حضرتْه الوفاة، فأوصاني أن أقصد نصيبين. ثمّ من نصيبين دلّني آخر إلى عمورية.وفي عمورية، التقيتُ بعبد صالح آخر. فسألتُه السؤال نفسه. وكانت إجابته مختلفة، صارت نقطة تحوّل في رحلتي؛
قال هذا الراهب: قد أظلّ زمانُ نبيٍّ مرسل. سيُبعث في أرض العرب، وسيرحل من بلده إلى أرض أخرى، ذات نخل بين حرّتين ذات حجارة سوداء . ومن علامات نبوته أنه يقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة. وبين كتِفيه خاتم النبوة. فإن استطعتَ أن تبلغ أرضه فافعل.ثم أوصى بذلك وفاضت روحه.
منذ تلك اللحظة لم يعد يُشغلني إلّا سؤال واحد: كيف أصل إلى أرض العرب حيث يظهر النبي الموعود؟ كنت أترقب القوافل القادمة وأتساءل: هل بينهم من يقصد بلاد العرب؟
وما هي إلا أيام حتى قدمتْ قافلة من تجّار قبيلة كلب، فقلت لهم: هل تحملونني معكم إلى بلاد العرب إن دفعت لكم ثمنًا؟ فوافقوا. أعطيتهم بعض الغنم والبقر، ثم رحلتُ معهم. لكنهم خانوا العهد، فلما وصلنا إلى وادي القرى بدأوا يظلمونني فباعوني عبدًا لرجل من اليهود.
وبينما أنا في خدمته رأيت لأول مرة بساتين النخيل، فارتعش قلبي. أهذه هي الأرض التي وُصفت لي؟ أهذه دار النبيّ المنتظر؟ ولم تمض أيام حتّى اشتراني رجل من بني قريظة، فجاء بي إلى يثرب. وهناك، ما إن وقع بصري على تلك الأرض حتى تيقّنت أنها هي، هي التي ذكرها لي الراهب الصالح في عمورية: أرض بين الحرتين، أرض النخيل. ومكثت هناك عبدًا أعمل وأرقب، والنبي ﷺ في مكة قد بدأ دعوته، ولم أكن أعلم. حتى إذا كانت الهجرة وجاء رسول الله ﷺ إلى المدينة، بلغني الخبر وأنا على رأس نخلة أعمل. جاء ابن سيد ليبشر سيده فقال: جاء رجل في قباء من مكة يزعم أنه نبيّ!
كاد قلبي يطير من بين أضلعي، وخشيتُ أن أسقط من النخلة من شدّة الفرح. نزلتُ مسرعًا أسأل الغلام: ماذا تقول؟ فإذا بسيّدي يضربني بعنف ويأمرني أن أعود إلى العمل. لكن حديثه ظلّ يتردّد في أذنيّ: قد جاء النبي، قد جاء النبي! فقلت في نفسي: الآن أوان الاختبار، فقد عرّفنى الراهبقبلُ ثلاث علامات له :
١. لا يأكل الصدقة.
٢. يقبل الهدية ويأكلها.
٣. بين كتفيه خاتم النبوة.
وفي الغد حملتُ شيئًا من الطعام، وجئتُ إلى النبيّ ﷺ فقلت: هذه صدقة. فأخذَها، ووضعها بين يدي أصحابه، فأكلوا منها، ولم يمدّ هو ﷺ يدَه إليها. فقلتُ في قلبي: العلامة الأولى تحقّقتْ.
وفي اليوم التالي جئت بهديّة، فقَبِلها رسول الله ﷺ وأكل منها مع أصحابه. فقلتُ في نفسي:والثانية قد تحقّقت كذلك. ثم قصدتُه ثالثة، فوجدته في جنازة، وقد انكشف عن كتفيه الرداء، فنظرتُ فإذا بين كتفيه الختم، ختم النبوّة كما وصف لي الراهب! لم أملك نفسي، ألقيتُ بنفسي عليه، أقبّل الخاتم وأبكي حتى بلّلتْ دموعي موضعَه.
حينها التفت إليّ رسول الله ﷺ يسألني عن قصّتي، فقصصتُ عليه ما جرى لي من أوّل أمري إلى أن وصلتُ إليه، فتعجّب الصحابة جميعًا، وازدادوا يقينًا بصدق نبوّته. لكنني كنت ما أزال عبدًا، وقد حال رقّي دون شهود بدر وأحد. غير أن النبي ﷺ لم ينسَني، كيف ينسى وهو رحمة للعالمين؟قال لي النبي ﷺ يومًا: كاتِب يا سلمان، أي اكتب عقد المكاتبة لتفتدي نفسك من الرقّ. ففرحت فرحًا عظيمًا.
ذهبت إلى سيدي، فاشترط عليّ أن أغرس له ثلاثمئة نخلة، وأن أدفع له أربعين أوقية من فضة. ولم أتفكر كثيرا فكاتبت معه على هذا وليس لديّ شيء. فأخبرت رسول الله ﷺ، فجمع لي النخل من أصحابه، هذا يأتي بخمس، وذاك بعشر، حتى اكتمل العدد. وأمرني النبي ﷺ أن أحفر لها الحفر، فلما أعددتها جاء رسول الله ﷺ بيده الشريفة يغرسها واحدةً واحدة، فما منها نخلة إلا أثمرتْ في عامها الأول! وبقي عليَّ أربعون أوقية من فضة، وليس عندي منها شيء. فإذا برسول الله ﷺ يهتمّ لأمري مرّة أخرى، فيعطيني مما أفاء الله عليه من الغنائم قدر ما أوفي به. وهكذا، ببركة يده الشريفة، تحرّرت من الرقّ، وأصبحت مسلما حرّا. وحضرتُ الخندق وما فقد لي بعده غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وصار إسلام سلمان الفارسي شهادة بيّنة على رسالة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وليست هذه قصة سلمان فحسب، بل هناك صور كثيرة لمن اعتنقوا الإسلام بعد ما عرفوا علامات النبي صلى الله عليه وسلم من الكتب السالفة .




