في ليلة مظلمة، اجتاح عمرَ بن الخطاب شغفٌ بالحصول على الخمر، فخرج متوجّهًا إلى المكان الذي يجتمع فيه أهل السّكر عادةً. وللأسف، كانت النتيجة خيبة أمل، لا خمرًا ولا أحد وجد هناك. وبينما كان يفكر ماذا يفعل الآن، خطرت له فكرة: هناك شخص معروف في بلدتنا يقوم بإنتاج الخمر، ربما يمكنه الذهاب إليه. وما هي إلا لحظات حتى سار إليه مباشرة، معتقدًا أن الأمر سيتم بنجاح. لكن خاب ظنه، لم يجد الرجل، ولم يحصل على الخمر.
وفي تلك اللحظة، دخل إلى قلبه جدل جديد، لم يكن عن الخمر، بل عن شخص آخر: محمد!
تساءل عمر في نفسه: هل يأتي إلى بلدنا شخص يحمل عقيدة جديدة لا تتفق مع ثقافتنا ومعتقداتنا؟ وما أكثر غرابتها أنه يتيم! ثم هل نترك آلهتنا كلها ونتبعه؟! آه! يجب أن يُوقف هذا التحدي. لن يسمح لأحد أن يدخل بلدنا بدعوى مثل هذه. فماذا أفعل؟
أقتل محمدا !
هذا هو مزاج عمر، لا يسمح وقتا للتأمل، يتبادر إلى القرار وينفذه بسرعة!
أخذ سيفه، وخرج يتلمّس الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لقيه نُعَيم بن عبد الله.
قال له نُعَيم: إلى أين يا عمر؟
قال: أريد محمدا هذا الصابىء، الذي فرّق أمر قريش، وسفّه أحلامها، وعاب دينها، وسبّ آلهتها . فأقتُله.
فقال نُعَيم:
فقال له نُعيم : لقد غرّتك نفسُك يا عمر! وهل تظن أن بني عبد مناف سيتركونك حيًّا بعد ذلك؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك، فتقيم أمرهم أولا؟
قال عمر : وأيّ أهلِ بيتي؟!
قال: ختِنُك وابنُ عمّك سعيد بن زيد، وأختُك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما، وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما.
ورجع عمر عامدا إلى أختِه وختنِه، وعندهما خبّاب بن الأرتّ، ومعه صحيفة، فيها سورة طه يُقرئها إيّاها، فلمّا سمعوا حسّ عمر، تَغَيَّبَ خبّاب في مِخدع ( غرفة صغيرة) لهم، وأخذت فاطمة الصحيفة وجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءةَ خبّاب، فلمّا دخل، قال: ما هذه الهينمة ( صوت لا يفهم)؟.
قالا له: ما سمعتَ شيئا!.
قال: بلى، والله لقد أُخبرتُ أنّكما تابعتُما محمدا على دينه.
وبطش عمرُ بختِنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة، لتكفّه عن زوجها، فضربها فشجّها. فلمّا فعل ذلك، قالت له أختُه وختنُه: نعم، قد أسلمنا وآمنّا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك!
تلك اللحظة كانت فاصلة؛ ولما رأى عمر ما بِأُختِه من الدم، ندِم على ما صنع، وتوقّف وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤونها آنفا، أَنْظُرُ ما هذا الذي جاء به محمد، وكان عمر يعرف القراءة، فلمّا قال ذلك، قالت له أخته: إنّا نخشاك عليها.
قال: لا تخافي، وحلف لها بآلهته، فلمّا قال ذلك، طمَعتْ في إسلامه، فقالتْ له: يا أخي! إنك نجس على شِركك وإنه لا يمسّها إلا الطاهر.فقام عمر، فاغتسل، فأعطتْه الصحيفة.
شرع بتلاوة سورة طه من أولها، إلى آية 14 منها، حيث يقول الله تعالى:﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ عندما وصل إلى هذه الآية، قال عمر: ما أجمل هذه الكلمات! هل يُمكنكم أن تُرشدوني إلى محمد؟' عندها خرج خبّاب من مخبئه وقال: يا عمر، أبشر! لقد استُجيبتْ دعوة النبي محمد ﷺ. إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة يدعو لك: اللهم أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك، أبي الحكم بن هشام، وعمر بن الخطاب. فازداد قلبه لينًا، وقال: "دلّوني على محمد."
دلّه خباب بمكان وجود النبي صلى الله عليه وسلم، فتوجه - وفق بعض الروايات- مباشرة إلى الكعبة قاصدا الطواف حول بيت الله الحرام. وبينما هو يقترب، رأى النبي صلى الله عليه وسلم، مصليا يتلو القرآن، واقفًا بين الركن الأسود والركن اليماني.
يروى عمر بن الخطاب:
فَقُلْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ: وَاللَّهِ، لَوْ أَنِّي اسْتَمَعْتُ بِمُحَمَّدٍ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَسْمَعَ مَا يَقُولُ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَئِنْ دَنَوْتُ مِنْهُ أَسْمَعُ مِنْهُ لَأُرْوِعَنَّهُ، قَالَ: فَجِئْتُ الْكَعْبَةَ مِنْ قِبَلِ الْحِجْرِ فَدَخَلْتُ تَحْتَ ثِيَابِهَا فَجَعَلْتُ أَمْشِي رُوَيْدًا، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، حَتَّى قُمْتُ فِي قِبْلَتِهِ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا ثِيَابُ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا سَمِعْتُ الْقُرْآنَ رَقَّ لَهُ قَلْبِي، فَبَكَيْتُ وَدَخَلَنِي الْإِسْلَامُ
سرتُ ببطء من جهة حجر إسماعيل، متجاوزًا قلب الكعبة، حتى اقتربت من النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكن بيني وبينه إلا حائط الكعبة. وعندما سمعت تلاوة القرآن من فم النبي، هدأت نفسي وبدأت دموعي تنهمر. كان يتلو سورة الحاقة "إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ".
تلك الكلمات أيقظت في داخلي إعجابًا عميقًا، فقلت لنفسي: ربما هي كلمات شاعر بارع، تحمل جمالًا وإبداعًا. ثم أتم النبي قوله: "وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِّنْ رَّبِّ الْعَالَمِينَ"، فذهلت. أي كلمات هذه؟ ليست من شاعر، ولا من كاهن، بل هي وحيٌ من رب العالمين.
وهكذا، عندما أكمل النبي صلى الله عليه وسلم تلاوة السورة كاملة، دخل الإسلام قلبي بأسره، واستيقظت الرغبة في الإيمان الكامل، والاقتراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لتلقي الهداية والانقياد لما جاء به من الحق."
فانطلق حتى بلغ حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم عند دار الأرقم، فلما دخل عليهم وهو مهيب متدرّع بالسيف، ارتاع القوم، فقال حمزة: "دعوه، فإن يكن جاء بخير قبلناه، وإن يكن جاء بشرّ قتلناه بسيفه." فجلس عمر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فما لبث أن قال من أعماق قلبه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
هكذا تحوّل عمر من رجل يحمل السيف ليقتل داعية الحق، إلى بطل يحمل سيفه نصرة للدعوة.




