اتركاني وامضيا إلى صاحبكما، كان هذا توجيه النبي ﷺ حين أسرع أبو بكر وأبو عبيدة ـ رضي الله عنهما ـ لنجدته وقد أُثخن بالجراح.
نظروا إلى حيث أشار النبي ﷺ، فإذا بالمشهد المفجّع: أحد الصحابة مطروح في حفرة، قد غطّاه الدم، وتناثرت على جسده السهام، وأثخنته الضربات حتى جاوزت السبعين طعنة وجرحاً! لا حراك فيه ولا وعي، وكأن روحه تكاد تفارق جسده.
من يكون هذا الشهيد الحيّ؟ إنه البطل المجاهد، والفارس المضحّي، الذي سماه النبي ﷺ «الشهيد الحي»، طلحة بن عبيد الله التميمي. ذاك الذي جعل جسده درعاً واقيةً للنبي ﷺ يوم أُحُد، حين انكشف كثير من الناس، فثبت هو رابط الجأش، مدافعاً عن رسول الله ﷺ حتى سالت دماؤه، وتكسّرت أسنانه، وتشقّق فمه، والدم ينزف على وجهه، وهو يتلقّى السهام بيده، ويردّ جموع العدوّ بقلبه الشجاع. عندها وعده النبي ﷺ بصحبة الجنّة، وكان أبو بكر الصدّيق يقول: يوم أحد يوم طلحة، كله له.
ولطلحة ـ رضي الله عنه ـ قصة عجيبة مع الإسلام يرويها بنفسه، قال: كنت في سوق بُصرى، فإذا براهب من رهبان الدير ينادي في الناس: يا معشر التجار، هل منكم أحد من أهل الحرم؟ قلت: نعم، أنا. قال: أظهرَ في مكة أحمد؟ قلت: ومن أحمد؟ قال: ابن عبد المطلب، هذا أوان مبعثه، وهو خاتم الأنبياء. سيهاجر إلى أرض بين حَرّتين، ذات نخل وحجارة سود، وهي يثرب. بادروا إليه وآمنوا به.
فلما رجعتُ إلى مكة، أخذتُ أستقصي الأخبار، فقيل لي: نعم، قد قام فينا الأمين محمد بن عبد الله، يزعم النبوة، وقد تبعه أبو بكر.
أبو بكر! أعرفه، ذو خُلق رفيع، وتاجر كريم، طالما جلستُ إليه وأُعجبت بأدبه ومعرفته بأنساب قريش. فذهبت إليه وقلت: أحقّ ما يُقال؟ أتبعْتَ محمداً فيما يدعو إليه؟ قال: نعم. فأخبرتُه بما كان من أمر الراهب، فأعجب أبو بكر وفرح، ثم قال: قمْ معي لتقصَّ على رسول الله ﷺ قصّتك، ولتسمع منه ما يدعوك إليه.
فدخلتُ على النبي ﷺ، فحدّثني عن الإسلام، وعرّفني بمبادئه، وتلا عليّ شيئاً من القرآن، وبشّرني بخيري الدنيا والآخرة. فقصصتُ عليه خبر الراهب، فتهلّل وجهه سروراً. ثم أعلنتُ بين يديه إسلامي، فكنتُ رابع من أسلم على يد أبي بكر رضي الله عنه».
وما طلحة إلا واحد من أولئك الأخيار الذين بلغتهم بشارات الكتب السابقة ببعثة النبي ﷺ، فهداهم الله، فآمنوا وصدّقوا، وكانوا أنصار الدين وحملة الرسالة.
هناك كثيرون غيره من الصحابة الكرام، إنما هداهم الله إلى الإسلام بعد أن سمعوا البشارات بالنبي ﷺ من أهل الكتاب، فصدّقوا وآمنوا، ووفوا بما عاهدوا الله عليه. وهأنذا أروي لكم قصةً أخرى من تلك القصص العجيبة.
مُغِيرةُ بن شُعبة ـ الصحابي الجليل، ووالي الكوفة في خلافة الفاروق عمر رضي الله عنه ـ يروي لنا قصةَ إسلامه فيقول: كنتُ أقيم في الإسكندرية، فسألتُ قساوستها ورهبان كنائسها عن صفة النبي الموعود. وكان أعلمهم وأشهرهم رجل يُدعى: أبو يَحْنَس. فقلت له: هل بقي بعد عيسى بن مريم نبيٌّ يُبعث؟
قال: نعم، إنه النبي الخاتم، وليس بينه وبين عيسى نبيّ آخر. هو النبي الذي أمرنا المسيحُ باتّباعه. رجلٌ عربيّ، أميّ، اسمه أحمد. ليس بالطويل ولا بالقصير، أبيض مشرب بحُمرة، ليس بالأدْلَع ولا بالجَعْد. سيتقلّد سيفه، ولا يهاب من يواجهه، ويباشر القتال بنفسه. سيكون له أصحاب مخلصون، يضحّون في سبيله بآبائهم وأبنائهم، ويقدّمون محبته على كل محبوب. يخرج من أرض الحجاز، من حرم إلى حرم، ويهاجر إلى بلد النخل، يعتنق الحنيفية دينَ إبراهيم الخليل.
فقلتُ له: صف لي شيئاً من شرعه.
قال: يتطهّر بالوضوء، ويُؤتى بخصائص لم تُعطَ الأنبياء من قبله؛ فالأرض له مسجد وطَهور، يُصلّي حيث أدركته الصلاة، ويُطهِّر نفسه بالتراب إن عدم الماء. وشريعته عامة للناس كافة، لا تختص بقوم دون قوم.
قال المغيرة: فأثّر كلامه في قلبي، وقلت في نفسي: ما أصدق هذا البيان! ومن ذا الذي يستطيع أن يُفصِّل هذه الصفات لولا أنه وحي من عند الله؟ وكيف يُعرضون عن التصديق به، وقد جاء وصفه في كتبهم بهذه الدقة والجلاء؟!
فما لبثت أن قصدتُ رسولَ الله ﷺ، فلقيته، وأخبرته بما سمعت، فبشّرني، فآمنت به، وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
وقد شاع في الأخبار أن بمكة، منذ مولد النبي ﷺ، كانت البشارات ببعثته تتردّد على ألسنة أهل الكتاب، وتتناقلها القلوب المؤمنة، إيذاناً بأن الرسالة الخاتمة قد أظلّ زمانها.




