بدأ الصبح يشرق في مكان يسمّى الربذة، وهي أرض في الصحراء، تبعد قليلًا عن المدينة المنورة.في ذلك المكان كان أبو ذر الغفاري رضي الله عنه يعاني سكرات الموت. لم يكن معه إلا زوجتُه وطفل صغير. بدأت زوجته تبكي، فقال لها أبو ذر: لماذا تبكين؟ قالت: إذا مُتَّ في هذا القفر، فماذا أفعل بكَ؟ لا أقدر على دفنك، وليس عندي حتى ثوب أكفّنك به. فقال لها أبو ذرّ بهدوء: ، لا تبكِي، بل افرحي. لقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول ونحن معه: يموت رجل منكم في فلاة من الأرض، ويشهد دفنَه جماعة من المؤمنين. وكنتُ واحدًا من أولئك الحاضرين الذين سمعوا الحديث.
ومضت الأيام، ومات كلّ مَن كان في ذلك المجلس، وكلُّهم مات في القرى أو المدن بين أظهر الناس، ولم يمت أحد منهم في الصحراء وحيدا. لم يبقَ إلّا أنا. فأعلم أنّني الذي سيموت في الصحراء، كما قال النبي ﷺ. لكن لا تقلقي، فإن جماعة من المؤمنين سيأتون، ويغسلونني، ويكفّنونني، ويدفنونني. فلا تتْعبي نفسك، ولا تحزني.
ثم مات أبو ذرّ بعد قليل. غسّلته زوجته، وكفّنته في ثوبه، ووضعته على جانب الطريق. وبعد مدة قصيرة، مرّت قافلة من جهة العراق، وكان فيهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. رأوا جسدًا ميتا وُضع على جانب الطريق، وكاد الإبل أن يطأه، فتعجّبوا وقالوا: من هذا؟ فجاءهم صبيّ صغير مسرعًا وقال: هذا صاحب رسول الله ﷺ، أبو ذرّ الغفاري، توفي هنا وليس معنا من يدفنه. فهل تساعدوننا؟ فلمّا سمعه عبد الله بن مسعود ذلك، بكى، وقال وهو يتذكّر قول النبي ﷺ لأبي ذرّ: تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتُبعث وحدك. فنزلوا من الراحلة جميعًا، وغسّلوه وصلّوا عليه ودفنوه في ذلك المكان. وكان ذلك في السنة الحادية والثلاثين للهجرة.
فحديثُنا عن نبوءات النبي ﷺ، تلك الإشراقات النبوية التي سبقت مجرى الزمان. لقد تحقّق الكثير من تلك النبوءات على مرّ العصور، وما زال في سجلّ الغيب منها ما ينتظر أن يطلع فجره بإذن الله. ومن تأمّل التاريخ علم أن كلمات النبي ﷺ لم تكن حديثًا عابرًا، بل حقائقَ تنكشف مع الأيام، وتتحقّق في الواقع كما سطرها القدر. وفي هذه الصفحات سنقف عند نماذج من تلك النبوءات النبوية.
1 . الملك أكيدر يصيد الأبقار
هذه واقعة تُروَى عن خالد بن الوليد رضي الله عنه. أرسل النبي ﷺ خالدًا إلى الملك أكيدر في دومة الجندل، وهي منطقة قريبة من تبوك. كان الملك مسيحيًا حينها. طلب منه النبيّ ﷺ أن يدعوه إلى الإسلام، إمّا أن يعترف الملك بالإسلام ، أو أن يُسهّل نشر الإسلام على أهل البلاد عن طريق اتفاقٍ أو معاهدة، وإذا لم يكن ذلك ممكنًا، فإخضاعه، ليتمكّن المسلمون من تحقيق النصر في الدنيا والآخرة. وهذامعنى دخول الجيش الإسلامي إلى أرض يحكمها سلطان. قال النبي ﷺ لخالد حين أرسله: عندما تصل هناك، ستجد الملك قد خرج لاصطياد الأبقار.
انطلق خالد حتى وصل إلى القلعة في ليلة بدى فيها القمر بدراً تامًّا، بحيث يمكن رؤية القلعة بوضوح. كان الملك وزوجته متواجدين على سطح القلعة. فجأة، اصطدمت بقرة جميلة بالبوابة وصدمت بقرنها! فقالت الزوجة للملك: يا لها من بقرة رائعة! هل رأيتَ مثل هذه البقرة في حياتك؟ قال الملك: لا، أليس هناك من يمكنه التعامل معها؟ أجابته زوجته: لا، أبداً.
خرج الملك على الفور على جواده، ومعه مجموعة من الرجال، لمطاردة البقرة. وهنا صادف خالدٌ الملك أكيدر أمامه! أمسك خالد بالملك وأحضره إلى النبي ﷺ، الذي أعلن أمام الصحابة: لا تؤذوه جسديًا. ثم عقد النبي ﷺ معه صلحًا وأطلق سراحه. هكذا تحقق نبوءته صلى الله عليه وسلم برؤية ملك يصيد البقرة!.
2 - طاعون عَمْواس
روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال لأصحابه:ستأتون بلاد الشام، وستُفتح لكم، ثم سيصيبكم فيها مرضٌ شديد، فيطهّر الله به أعمالكم، ويجعل موتاكم فيه من الشهداء. (وقد ثبت في أحاديث أخرى أن من يموت بالطاعون يُكتب له أجر الشهيد).
وفي هذا الحديث نبوءتان واضحتان:
- أن بلاد الشام ستُفتح للمسلمين،
- وأن وباءً شديدًا سيصيب أهلها بعد ذلك.
وقد تحققت النبوءتان معًا.ففي السنة الثامنة عشرة للهجرة، انتشر طاعون في بلاد الشام، فمات بسببه نحو خمسةٍ وعشرين ألف مسلم. وكان من بين من نالوا الشهادة في ذلك الوباء الصحابيان الجليلان معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما، وغيرهما من كبار الصحابة.
3 - فتح بيت المقدس
ذكر النبي ﷺ في حديثٍ عن ست علامات قبل يوم القيامة، روى البخاري عن عوف بن مالك قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ: اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَة..ِ مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنْ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَة، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا.
أولها وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، والثانية فتح بيت المقدس ،قد تحققت النبوءة الثانية في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين فُتح بيت المقدس سنة خمس عشرة للهجرة، فعاد إلى حوزة الإسلام كما وعد النبي ﷺ.
4 - الريح العاصفة في تبوك
في غزوة تبوك، كان النبي ﷺ يسير مع أصحابه، حتى بلغوا وادي القرى، إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اخرصوا التمر التي في حديقتها، فسكتوا جميعا، وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها عشرة أوسق، فقال لها: أحصي ما يخرج منها.
فلما أتينا تبوك قال صلى الله عليه وسلم: أما إنها ستهب الليلة ريح شديدة فلا يقومنّ أحد، ومن كان معه بعير فليعقله فعقلناها، وهبّت ريح شديدة، فقام رجل فألقتْه بجبل طيئ.
فلمّا أتى وادي القرى قال النبي للمرأة: كم جاء من حديقتك؟ قالت: عشرة أوسق، كما خرص رسول الله صلى الله عليه وسلم! فتحقق بذلك ما تنبّأ به ﷺ في هاتين الواقعتين.
5 - الأعرابي الذي لبس تاج كِسْرَى
بعد حصار شِعْب أبي طالب، وما لاقاه المسلمون من أذى قريش، لم تهدأ نار العداء في قلوب أهل مكة. ظلوا يتآمرون لقتل النبي ﷺ. وفي إحدى الليالي قرّروا أن يحيطوا ببيته، فإذا خرج فجرًا ضربوه ضربة رجلٍ واحدٍ فقتلوه. لكن الله تعالى، الذي أحاط نبيَّه بعنايته، أذن له بالهجرة إلى المدينة المنوّرة. فجاءت تلك الليلة المباركة التي خرج فيها النبي ﷺ من بيته، وقد أحاط المشركون بداره. نام عليٌّ رضي الله عنه في فراشه، وخرج النبي ﷺ في سكون الليل، يقرأ أوائل سورة يس، وأخذ حفنةً من ترابٍ فرماها على رؤوسهم، فطمس الله أبصارهم، ومرّ من بينهم دون أن يشعروا.فلما أصبح وعرفوا أنه قد نجا، وأعلنوا جائزة: من يأتي بمحمدٍ حيًّا أو ميتًا فله مئةٌ من الإبل.
وانطلق فرسان قريش في كل اتجاه .وكان من بينهم سُراقة بن مالك بن جُعشم، فركب فرسه، ومعه رمحه وقوسه، متتبعًا الأثر حتى قارب أن يُدرك النبي ﷺ وصاحبه أبا بكر رضي الله عنه. لكنّ فرسه غاصت قوائمه في الرمل حتى بلغت الركبتين. فخاف سراقة، وصرخ مستغيثًا بالنبي ﷺ، ووعد ألا يؤذيه إن أنقذه الله. فدعا له النبي ﷺ، فنجا الفرس، وخرج سالمًا.
وما إن تحرّك حتى راودته نفسه من جديد، طمعًا في مئة إبل ينالها، فعاد يتّجه نحو النبي ﷺ، فإذا بفرسه تغوص في الرمل أعمق من قبل، وارتفعت سحابة من الغبار والدخان حوله. فعرف أن الأمر من عند الله، وأن الذي أمامه ليس بشرًا عاديًّا، فبكى وقال: يا محمد، أنقذني هذه المرة، ولك عليَّ عهد ألا أتعرض لك أبدًا، ولا أشيع بك لأحد، وليكن لي أمان عندك. فقال له النبي ﷺ: خذ طريقك، ولا تُخبر عنا أحدًا. ، فاستقام فرسه وخرج من الرمل.
وعندها قال سراقة:أعطني كتابًا بالأمان، فقد علمتُ أن دعوتك ستنتصر وتنتشر. فكتب له النبي ﷺ أمانًا بخط أحد أصحابه. ثم التفت إليه النبي ﷺ وقال مبتسمًا: يا سراقة، كيف بكَ إذا لبستَ سِوَارَي كِسْرَى وتاجه ومنطقته؟ قال سراقة متعجبًا أيّ كسرى ، كِسْرَى بن هُرمُز، ملك الفرس؟! قال ﷺ: كِسْرَى بن هُرمُز نفسُه.
ومضت الأعوام، حتى جاء العام الثامن للهجرة، ودخل النبي ﷺ مكة فاتحًا، في أعظم نصرٍ وأجمل مشهدٍ في تاريخ الدعوة.دخلها برحمةٍ وسماحة، فقال: من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن.
وفي ذلك اليوم، جاء رجل يحمل في يده صحيفةً قديمة. تقدّم إلى النبي ﷺ وقال: أنا سراقة بن مالك، وهذا كتاب الأمان الذي كتبتَ لي. فرحّب به النبي ﷺ، وأسلم سراقة بين يديه، شاكرًا فضل الله عليه، وشاهدًا بصدق النبوّة.
توفي النبي صلى الله عليه وسلم ، وتولى أبو بكر الخلافة، وبعد خلافته الراشدة التي امتدت فوق سنتين، تولى عمر بن الخطاب الخلافة، وفي عهده فُتحت بلاد فارس، وسقط عرش كِسْرَى بن هُرمُز.كان كِسْرَى ملكًا جبارًا متسلّطًا، يرى الناس عبيدًا تحت قدميه، يعيش في قصور فارهة يرفل فيها بالحرير والذهب، بينما كان شعبه يُسحق تحت ظلمه.
وقد كان النبي ﷺ قد أرسل إليه رسالةً يدعوه فيها إلى الإسلام، لكنّ كِسْرَى مزّق الكتاب استكبارًا. ثم مضت الأعوام حتى جاء وعد الله، فانهار ملكه، وجيء إلى المدينة بالغنائم من كنوزه. جُمعت الغنائم أمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان من بينها تاج كسرى وسواراه ومنطقته (حزامه). فوقف عمر بين الناس، وقال بصوتٍ تغشاه المهابة: أين سراقة بن مالك؟ فلما جاءه، قال له: هذا وعد رسول الله ﷺ قد تحقق، فالبسه كما قال لك يوم الهجرة.
ثم ألبسه سوارَي كسرى، ووضع على رأسه تاجه، وشدّ على وسطه منطقته .فامتلأ المجلس خشوعًا، ودمعت العيون، وقال عمر رضي الله عنه: الحمد لله الذي نزعها من كِسْرَى المتكبر، وألبسها رجلًا من رعاة الإبل في البادية. صدق الله وصدق رسوله. وهكذا تجلّت نبوءة النبي ﷺ بعد أعوام.
6 -أمّ حَرام وسَفَر البحر
تقول أم حَرام بنت مِلحان رضي الله عنها - وهي من قريبات النبي ﷺ من جهة الرضاعة - سمعتْ رسول الله ﷺ يقول: أول جيشٍ من أمتي يغزون البحر، وجبتْ لهم الجنة.فقلتُ: يا رسول الله، أأنا منهم؟ فقال ﷺ: أنتِ منهم.
ثم قال في حديثٍ آخر: أول جيشٍ من أمتي يغزون مدينة قيصر (القسطنطينية) مغفورٌ لهم. فقلت: يا رسول الله، أأنا معهم؟ قال ﷺ: لا، ولكنكِ مع الأولين.
ومرّت الأعوام، حتى جاء زمن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فأرسل جيشًا من الصحابة لغزو جزيرة قبرص بحرًا، وكان ذلك في السنة السابعة والعشرين للهجرة، فكانت أول غزوة بحرية في الإسلام. خرج معهم الصحابي عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وكانت زوجته أم حَرام تصحبه. فلما انتهت الغزوة، واستعدّ الناس للعودة، ركبتْ أمّ حرام دابتها، فانزلقت بها فسقطت وماتت هناك، فدُفنت في أرض قبرص.
وبذلك تحقق وعد النبي ﷺ لأم حرام لأنها صحبت بأول جيشٍ ركب البحر، وتوفيت عند عودتها ونالت بشارة الجنة كما قال ﷺ.
ثم ذهب الجيش الثاني في السنة الثانية والخمسين للهجرة لغزو القسطنطينية، كما أخبر النبي ﷺ، ولكن أم حَرام لم تكن معهم ، لأنها لقيت ربّها قبل ذلك، فكانت من الأوائل الذين صدق فيهم وعد الله ورسوله.
على الرغم من أن عدد النبوءات المذكورة أعلاه ستة ، إلا أنه هناك عدد كثير من نبوءات النبي صلى الله عليه وسلم، تدلّ على معجزته الباهرة ودعم من الله تعالى على رسالته الخالدة، وسنوردها أثناء الحلقات.




