دعونا ننتقلُ الآنَ إلى رحابِ عِلمِ الأجنةِّ. يُعدُّ أنطوني فان ليفينهوك (1632-1723)، أبُ علمِ الأحياءِ الدقيقةِ، أولَ عالِمٍ رصدَ النُّطْفَةَ عَبْرَ المجهرِ. وعندما شاهدَ ملايينَ الحيواناتِ المنويةِ، توهمَ أنها مجردُ صورٍ مصغرةٍ لأعضاءِ الإنسانِ وأجهزتِهِ العصبيةِ، وزعمَ آنذاك أنَّ الجنينَ يختبئُ داخلَ النطفةِ فقط، ولا دورَ للبويضةِ في ذلك.
وفي عام 1694، قامَ نيكولاس هارتسوكر (1656-1725) بدراسةِ السائلِ المنويِّ عبرَ مجهرٍ من صُنعِهِ، ورسمَ شكلًا تخيليًا لِما اعتقدَ أنه قزمٌ بشريٌّ (Homunculus) مستقرٌ داخلَ النطفةِ. أما العالِمُ الألماني كاسبار فريدريك وولف (1733-1794)، فقد استندَ إلى نظريةِ الخليةِ ليدعي أنَّ دمَ الحيضِ هو المادةُ الأساسُ، وأنَّ النطفةَ لا تزيدُ عن كونِها مادةً تُجَمِّدُ ذلك الدمَ فقط.
لم يصلِ العالَمُ إلى الحقيقةِ العلميةِ إلا مع مطلعِ القرنِ العشرينَ، وذلك بفضلِ تجاربِ فيلهلم روكس (1850-1925) على بيوضِ الضفادعِ، وأبحاثِ هانس دريش (1867-1941) على أجنةِ قنافذِ البحرِ. حيثُ أُثْبِتَ أنَّ الجنينَ لا يتكونُ من النطفةِ وحدَها ولا من البويضةِ وحدَها، بل نتيجةَ اندماجِ حيوانٍ منويٍّ واحدٍ مع البويضةِ. وكما ذكرنا سابقاً، يزخرُ القرآنُ بكثيرٍ من العجائبِ المتعلقةِ بعلمِ الأجنةِ.
فكيف لرجلٍ أُميٍّ، نَشأَ في بيئةٍ لا تعرفُ القراءةَ ولا الكتابةَ، ولم تشهدْ أيَّ تطورٍ علميٍّ، أن ينزلَ من غارِ حراءَ في سنِّ الأربعينَ ليقولَ هذه الحقائقَ؟ إنَّ ما قالهُ الرسولُ هو ذاتُهُ ما أكَّدَهُ العلماءُ بعد قرونٍ طويلةٍ من الجدلِ والاستعانةِ بالمجاهرِ الدقيقةِ. فماذا يعني هذا الإعجازُ؟ إنه يعني ببساطةٍ أنَّ الكتابَ الذي جاءَ به ليس من تأليفِهِ. فمَن صاحبُهُ إذن؟ صاحبُهُ هو من أنزلَهُ وقالَ عنه إنه كلامُ اللهِ. بالنظرِ إلى المقاييسِ الماديةِ، يستحيلُ أن يكونَ مصدرُ هذا العلمِ بشريًا، فلا بدَّ أن يكونَ وحيًا إلهيًا. كانت هذه بعضُ النقاطِ التي تناولناها في المقالِ السابقِ، وسنكملُ الآنَ بقيةَ التفاصيلِ.
أسرار التكوين في آيات التنزيل
لقد كشفَ القرآنُ قبل أربعة عشر قرناً حقائقَ عن الجنين لم تكن تخطرُ على بالِ بشرٍ في ذلك الزمان. تأملوا في هذه الآيات البينات: {أَیَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَـٰنُ أَن یُتۡرَكَ سُدًى (36) أَلَمۡ یَكُ نُطۡفَةࣰ مِّن مَّنِیࣲّ یُمۡنَىٰ (37)} [القيامة] {إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجࣲ نَّبۡتَلِیهِ فَجَعَلۡنَـٰهُ سَمِیعَۢا بَصِیرًا} [الإنسان: 2]
كما بَيَّنَ اللهُ في سورة العلق أنه خلقَ الإنسانَ من علق، وهي كلمة تحمل في اللغة معانيَ مذهلة؛ فهي تعني الشيء الذي يلتصق أو يتعلق، كما تشير إلى العلقة التي تمتص الدماء. ثم تأتي الآيةُ التي تَفْصِلُ المراحِلَ بدقة مدهشة:{ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةࣰ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةࣰ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةࣰ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَـٰمࣰا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَـٰمَ لَحۡمࣰا ثُمَّ أَنشَأۡنَـٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَـٰلِقِینَ} [المؤمنون: 14]
إن القرآنَ يوضح أنَّ نطفةً واحدةً فقط من بين ملايين الحيوانات المنوية هي التي تخصبُ البويضةَ، ثم تتحولُ هذه النطفة الأمشاج أي البويضة الملقحة إلى علقة تلتصقُ بجدار الرحم تماماً كالعلقة التي تتعلق بالجلد، ثم تصبحُ مضغة تشبه قطعة اللحم الممضوغة، وبعدها تَتَشَكَّلُ العظامُ، ثم تُكْسَى العظامُ باللحم أي العضلات، لتبدأ بعدها مرحلة النشأة الأخرى.
هذه التفاصيلُ التي يَطْرَحُهَا القرآنُ ليست مجرد وصف عابر، بل هي لغةُ عالِمٍ خبيرٍ يمتلكُ أدقَّ الأجهزةِ. خذ مثلاً الحقيقة الأولى: أنَّ الإنسانَ أصلُهُ نطفةٌ واحدةٌ مختارةٌ من بين الملايين، وهو ما سماه القرآنُ سلالة من ماء مهين (السجدة: 8).
لم يكن أحدٌ في القرن السادس الميلادي يدركُ أنَّ جزءاً يسيراً جداً من السائل المنوي هو المسؤولُ عن تخليق الجنين. وقد أَكَّدَ النبيُّ هذه الحقيقةَ التاريخيةَ في ردِّه على سؤال أحد اليهود، حيث قال ﷺ: ما من كُلِّ الماءِ يكونُ الولدُ، وإذا أراد اللهُ خَلْقَ شيءٍ لم يمنعهُ شيءٌ. هذا الحديثُ يُثْبِتُ أنَّ هذا الفهمَ ليس تأويلاً حديثاً لغرض الملاءمة مع العلم، بل هو توضيحٌ نَبويٌّ صريحٌ. واليوم، بفضل التقنيات الحديثة، تُعْرَضُ المقاطعُ المصورة التي تُرينا كيف يتسابقُ الملايينُ ليظفرَ واحدٌ فقط بالبويضة، تماماً كما وَصَفَ الوَحْيُ قبل قرون.
التكامل بين النطفة والبويضة
قد يظنُّ البعضُ أنَّ الآياتِ المذكورةَ تتحدثُ عن نطفة الرجل فقط، لكنَّ الحقيقةَ أنَّ القرآنَ أشارَ بوضوحٍ إلى دورِ المرأةِ أيضاً. فرغم أنَّ مصطلحاتِ الحيوان المنوي والبويضة لم تكن معروفةً بمسمياتها الحالية آنذاك، إلا أنَّ القرآنَ أكَّدَ أنَّ خَلْقَ الإنسانِ ناتجٌ عن امتزاجِ سوائلِ الطرفينِ.
يقول الله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [سورة الإنسان: 2].
وقد فَسَّرَ ابنُ عباسٍ وغيرُه من المفسرين النطفة الأمشاج بأنها اختلاطُ ماءِ الرجلِ وماءِ المرأةِ. كما وردتْ في السنة النبويةِ أحاديثُ كثيرةٌ تَذْكُرُ ماءَ الرجلِ وماءَ المرأةِ، وتصفُ ألوانَ هذه السوائلِ ومراحلَ تكوُّنِ الزيجوت أي البييضة الملقحة، وهو ما تناوله الدكتور محمد علي البار بالتفصيل في كتابه خلق الإنسان بين الطب والقرآن.
ومن أبرزِ الذين بَحَثوا في هذا المجالِ البروفيسور الكندي كيث مور، أستاذ علم الأجنة بجامعة تورنتو، وصاحب كتاب The Developing Human الذي تُرْجِمَ إلى لغاتٍ عالميةٍ عديدةٍ. في عام 1981، وخلال المؤتمر الطبي السابع في الدمام، قَالَ كيثُ مورٍ : يسعدني جداً أن أساهم في توضيح إشارات القرآن حول تطور الإنسان. لقد اتضح لي أنَّ هذه الكلماتِ لا بد أن تكون من عند الله، لأنَّ معظمَ هذه الحقائقِ لم تُكتشف إلا حديثاً، وهذا يُثبتُ لي أنَّ محمداً رسولُ اللهِ حقاً.
عندما نَشَرَ أبحاثَهُ، احتفتِ الصُّحُفُ الكنديةُ بالخبرِ تحت عنوان: شيءٌ مذهلٌ وُجِدَ في كتابٍ قديمٍ. وفي مقابلةٍ صحفيةٍ، سَأَلَ مُرَاسِلٌ البروفيسورَ: أليس من الممكن أنَّ العربَ كانوا يعرفون هذه الأمور؟ ربما كان لديهم علماءُ شَرَّحوا الأجنةَ ودَرَسوا تفاصيلها؟.
أَجَابَ البروفيسورُ : إنَّ كلَّ ما وصلنا إليه اليومَ كان بفضلِ المجهرِ أي الميكروسكوب. وحتى لو فَحَصَ العربُ الجنينَ، فلن يَروا ما ذَكَرَهُ القرآنُ، لأنَّ القرآنَ يَتحدثُ عن أشياءَ دقيقةٍ لا تُرأى بالعينِ المجردةِ، ولا يمكنُ رؤيتُها إلا بمجهرٍ لم يُخترعْ إلا قبل مائتي عامٍ فقط. هناك احتمالٌ واحدٌ خياليٌ: وهو أن يكونَ شخصٌ ما قد اخترعَ مجهراً سرياً قبل 1400 عامٍ، وقامَ بدراسةِ الأجنةِ دون أن يتركَ أثراً، ثم عَلَّمَ محمداً هذه الأسرارَ، ثم دَمَّرَ ذلك الجهازَ تماماً، فهل يُعقلُ هذا؟.
استنتجَ كيثُ مورٍ أنَّ هذا الكتابَ لا بد أن يكونَ وحياً إلهياً. وهذا لا يعني أنَّ القرآنَ كتابُ كيمياءٍ أو فيزياءٍ، فهو لم يَنْزِلْ لتعليمِ العلومِ البحتةِ، بل نَزَلَ للهدايةِ. لكنَّ القرآنَ يَستَخْدِمُ هذه الإشاراتِ العلميةَ كدلائلَ على وجودِ الخالقِ وقدرتِهِ على البعثِ، داعياً الإنسانَ للتفكرِ بقوله: أفلا تتفكرون؟.
إنَّ المنهجَ القرآنيَّ يَعتمِدُ على مخاطبةِ العقلِ، فالعلمُ الصحيحُ يَقُودُ حتماً إلى الإيمانِ بـاللهِ. وعظمةُ القرآنِ لا تكمنُ فقط في حقائقهِ العلميةِ، بل في كونهِ معجزةً بيانيةً وأدبيةً لا يمكنُ تقليدُها، وهو ما شَهِدَ به حتى أعداؤُه.




