تبعد صلالة مسافة ثمانمئة كيلومتر من عُمان تقريبا ، تمتدّ الصحارى القاحلة بلا نهاية، فلا يكاد المسافر يرى من نافذة الحافلة إلا كثبانًا من الرمل تمتدّ في الأفق، الفيافي بعد الفيافي !
مرت في ذاكرتي شخصية عبد الحميد - في رواية أيام الماعز - الذي مات عطشًا في صحراء ! ولمويدو كيزيشيري الذي خاض في رحلات مغامرة في الصحراء، ولمحمد أسد الذي ضلّ الطريق ثلاثة أيام وسقط في أدغال الصحراء. رزق الله لأرواحهم الراحة والسلامة!
لكن، ما إن يدخل المسافر إلى أرض صلالة حتى ينقلب المشهد: الخضرة تملأ العيون، أشجار النخيل تستبدلها أشجار جوز الهند، وعلى جانبي الطريق ترى الحدائق والزهور، كأنها جنة أُخرجت من رحم الصحراء.
وفي تلك الأرض يلوح تاريخ عريق؛ إذ تُروى الأخبار عن الملك شيرامان برومال، ملك المليبار، الذي قيل إنه رحل إلى النبي ﷺ وأسلم بين يديه، واتخذ اسم "تاج الدين"، وأن ضريحه قائم في ظفار بصلالة. وقد اختلف المؤرخون في تفاصيل القصة: في اسمه، وزمنه، وتاريخ إسلامه. ويذكر أهل المنطقة أن الناس كانوا يزورون ضريحه في أوقات القحط، يتضرعون إلى الله أن يرحمهم بالغيث، حتى اشتهرت قصص ذلك بين العامة.
كلما اقترب المسافر من منطقة ضفار في صلالة، خُيّل إليه وكأنها قطعة من أرض كيرالا قد انتقلت إلى عُمان: صفوف متتابعة من أشجار جوز الهند الشامخة، وبساتين الموز المترامية، وحدائق غنّاء من البابايا والتابيوكا والخضروات. وعلى جانبي الطريق تنتشر عشرات الدكاكين الصغيرة، تعرض لزوّارها ماء جوز الهند والموز والبابايا والخيار والبطيخ وغيرها من الفواكه الطازجة.
وهنا، يثور في القلب سؤال: أهو من تدبير الله تعالى أن يكون حول ضريح ملك الهند شيرامان برومال – الذي قيل إنه أسلم وسمّي تاج الدين – أكثر بقاع صلالة شبهًا بولاية كيرالا الخضراء؟ كثير من الناس يؤمنون بذلك إيمانًا جازمًا، حتى صار المكان رمزًا لذاكرة روحية مشتركة بين المليبار والعرب.
وقد أثيرت حول هذه الشخصية نقاشات طويلة، بين مؤرخين وباحثين. ومن أبرز ما ألقى الضوء على قصته كتاب "قصة شَكروَرتي فرماد" (قصّة شيرامان برومال) المحفوظ في المكتبة البريطانية، ضمن مجموعة India Office Collection (Loth Catalogue 1044, No.2007).
وقد نُشرت ترجمته إلى المالايالام في مجلة تَليتشَم عام 2019م على خمس حلقات، بقلم الباحث أنيس ت. أ. كَمْبَلَكَّاد. كما قام الباحثان Scott Kugle وRoxani Margariti بترجمته إلى الإنجليزية. وهما يقولان في مقدمته:
أول من قام بتحليل كتاب "قصّة شكرورتي فرمد" في العربية هو يوحنان فريدمان، وقد أُشير إليه بعد ذلك في مراجع عديدة، غير أنه لم يُترجم من أحد. أما نحن فقد أنجزنا ترجمةً مستقلةً له إلى اللغة الإنجليزية، مستندين إلى مخطوطتين محفوظتين في المكتبة البريطانية، مع الاستعانة بالاستشهادات المأخوذة من كتب التاريخ مثل تحفة المجاهدين ونشأة كيرالا وغيرها.
هذا المخطوط لا يتجاوز ست عشرة صفحة، يضم في كل صفحة خمس عشرة سطرًا، وفي كل سطر خمسة وأربعون حرفًا. ومن خطه وأسلوبه يتبيّن أنه من تأليف أو على الأقل من نسخ أحد العلماء العرب. وقد وُجدت منه نسختان محفوظتان اليوم في المكتبة البريطانية، إحداهما نُسخت بأمر المستشرق سير هنري مييرز إليوت، على يد كاتب يُشار إليه باسم شيخ العربية، من نسخة أقدم لمؤلف مجهول.
وعند النظر في متن الكتاب، يمكن تقسيمها – وإن لم ترد في الأصل مفصولة – إلى ثلاثة أقسام رئيسة:
القسم الأول: يتمحور حول مكة المكرمة وما دار فيها من تحديات بين النبي ﷺ والمشركين. ويذكر النص مطالبة قريش النبيَّ بإظهار معجزة، فاستجاب الله له بانشقاق القمر. ويشير إلى أن هذا الحدث كان سببًا في دخول كثير من الناس الإسلام.
القسم الثاني: ينتقل السرد إلى بلاد المليبار (كيرلا حاليًا)، حيث يذكر أن الملك شَكروَرتي فرماد شهد حادثة انشقاق القمر، فتأثر بها تأثرًا بالغًا، وكانت تلك بداية هدايته إلى الإسلام.
القسم الثالث: يتحدث عن رحلة الملك إلى الجزيرة العربية ولقائه بالنبي ﷺ، ثم عودته إلى بلاده، ووفاته في الطريق. كما يذكر إرسال بعثات دعوية إلى الهند بعده، لنشر الإسلام في تلك الديار.
ورغم أن تفاصيل القصة تبدو في بعض مواضعها موضع إشكال، خاصة في القسم الأول المرتبط بانشقاق القمر، إلا أن الخط العام للأحداث يظل منسجمًا مع ما هو معروف من المدونات الإسلامية .
وهكذا يتبين أن المخطوط يحمل طابعًا قصصيًا يجمع بين الحدث التاريخي والبعد الإيماني، وأنه – وإن لم يكن مصدرًا قطعيًا للتاريخ – يعكس الذاكرة الإسلامية المشتركة بين العرب والمليبار منذ القرون الأولى.
ولأنّ الأمر يتعلّق بالنبيّ الكريم ﷺ، فإنّ سلسلة الإسناد تكتسب أهمية كبرى. ففي العلم الإسلامي وعلوم الحديث، وُجدت مدرسة علمية دقيقة متخصصة في تمحيص الروايات وتمييز صحيحها من ضعيفها. فليس من منهج المسلمين أن يصدّقوا كل ما يُروى دون بينة، بل الأصل عندهم هو التحقق من الدليل.
فإذا كان الحديث متعلقًا برسول الله ﷺ، يضبط المحدثون: من الذي روى هذا الخبر؟ هل تُعرف سيرته؟ هل هو صادق أمين؟ هل يتمتع بذاكرة قوية؟ عمّن سمع الحديث؟ وهل كان من الممكن تاريخيًا أن يلتقي به؟ ما حال من نقل عنه بعد ذلك؟ هل هو من أهل الصدق والضبط؟
وهكذا تُفحَص سلسلة الرواة واحدًا واحدًا بدقّة متناهية، حتى إذا ثبت أن جميعهم من الثقات العدول المشهود لهم بالصدق والضبط، عدّ المسلمون تلك الرواية حديثًا صحيحًا ثابتًا عن النبي ﷺ.
إنها منهجية علمية فريدة لم يعرف لها التاريخ مثيلاً في دراسة الأخبار وتمحيص الروايات.
يبدأ المؤلِّف روايته بذكر سلسلة الإسناد على الطريقة المعهودة في كتب الحديث، فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم، نستعين به ونتوكّل عليه.
يروي محمد بن مالك، عن أبيه مالك، عن جدّه حبيب بن مالك – رضي الله عنهم أجمعين – أنه قال:
لما نزل قول الله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] دعا رسول الله ﷺ قرابته الأقربين وأهله إلى بيتٍ يُقال له بيت خيزران ( دار الأرقم)، فجمعهم هناك، وقال:يا بني عبد المطلب، يا قرابتي وأرحامي، أنتم أهلي وعشيرتي، أقرب الناس إليّ نسبًا ومودةً. إنّي أدعوكم إلى سبيل الله، وإلى الطريق المستقيم. فاسمعوا قولي وأجيبوا دعوتي، فإني والله رسولٌ من عند الله إليكم، أُنذركم وأبشّركم، وأدعوكم إلى عبادة ربٍّ واحدٍ لا شريك له.
من أبرز مشاهد هذا السفر ما رواه المؤلِّف عن موقف أبي جهلٍ ومن معه، حين أدركوا أن دعوة النبي ﷺ تهدِّد أركان جاهليّتهم، وتهزُّ الأسس التي بَنوا عليها مجدهم القبلي. فاجتمعوا وقرّروا أن يستعينوا بـ حبيب بن مالك، لما كان له من مكانةٍ بين العرب وحكمةٍ في الرأي.
فدخلوا عليه، وتقدّم أبو جهل قائلاً بصوتٍ يختلط فيه الغضب بالحيرة: يا نصير الضعفاء، وملاذ الفقراء، ورجاء من لا رجاء له! إنك أعلم الناس بنقاء أنسابنا وعظمة أحسابنا، ولا حاجة بي إلى تذكيرك بذلك.
ولكن اليوم خرج من بني هاشم يتيمٌ فقير، فقد أباه عبد الله وأمّه آمنة وهو طفل،ربّاه جدّه عبد المطلب حتى مات، ثم كفله عمّه أبو طالب. وها هو ذا قد قام بيننا يدّعي أنه رسولٌ من عند الله،ويقول: (إنّي بُعثتُ إلى الناس كافّة، إلى العرب والعجم، إلى الأحرار والعبيد، إلى الشيوخ والشباب). وقد طعن في آلهتنا، وسفَّه أحلامنا، وصدّق به بعض من قومه، فشقّ علينا أمره وأقلقنا خبره. فدلّنا، أيها الحكيم، كيف نخرج من هذه الشدّة، وبأيّ حيلةٍ ننجو من فتنة هذا الرجل؟
ثم يأتي بيان خروج حبيب بن مالك مع خاصّته إلى مكّة، و حديثه مع النبي ﷺ بقوله المملوء توقيراً وصدقاً:
واللهِ، يا محمد، إنّي لأرجو أن تكون دعوتك حقًّا ورسالتك صدقًا.فنحن بيننا رحمٌ قريب، وأنا أعلم من كتب الأوّلين أنّ نبيًّا في آخر الزمان يُبعث اسمه محمد، وتستمرّ دعوته إلى يوم القيامة. غير أنّي أعلم أيضًا أنّ كلَّ رسولٍ جاء من قبلُ، قد أيّده الله بآيةٍ ظاهرةٍ ومعجزةٍ بيّنة. فقل لي يا محمد، ما آيتك أنت؟ وبأيّ معجزةٍ تُثبت صدقك، ليؤمن بك من شكّ، ويزداد يقينًا من صدّق؟
فأجابه النبي ﷺ في سكينةٍ وهيبةٍ: وما الآية التي تريد أن تراها؟ سَلْ تُعْطَ، فإنّ العبد ما دام مع ربّه، فإنّ ربَّه معه.
فقال حبيب بن مالك بعد أن أصغى إلى النبي ﷺ:
إذن أرِني آيةً لا يبقى معها شكٌّ في القلوب، ولا ريبةٌ في الصدور. أرِنا القمرَ — هذا الذي يعلو السماء ينشقّ قسمين،لا انشقاقًا خفيًّا ولا وهمًا في الأبصار، بل انشقاقًا بيِّنًا كما أصفه لك: فلينفصل نصفه عن نصفه، وليظهر بين الجزأين فراغٌ نرى من خلاله الجبل، ثم ليلتحم بعد ذلك كما كان، فإن فعلتَ ذلك، علمتُ أنّك نبيٌّ من عند الله حقًّا.
فرفع النبي ﷺ بصره إلى السماء، ثم أشار بإصبعه إلى القمر، فإذا به — بقدرة الله — ينشقّ شقّين كما وصف الرجل تمامًا، حتى رأى الناس جبل حراء بينهما واضحًا،ثم عاد القمر كما كان، وأضاء الأفق بنوره الصافي كأن شيئًا لم يكن.
واندهش القومُ لما رأوا، وارتجف بعضهم رهبةً، وقال النبي ﷺ في سكينة النبوّة: اشهدوا أن لا إله إلا الله،
وأنّي رسول الله. فكانت تلك اللحظة آيةً خالدةً، يشهدها القمر، وتشهدها القلوب، ويؤمن بها من شرح الله صدره للحقّ.
لقد طلب أهل مكة من رسول الله ﷺ أن يريهم آية تظهر قدرته الإلهية وصدق نبوته، فكان ما أرادوه، إذ أظهر لهم القمر مشققًا إلى شطرين، بحيث بدا جبل حراء بينهما. وقد ورد هذا الحدث في صحيحي الإمام البخاري، وهو أحد أبرز الشواهد على معجزة النبي ﷺ.
يذكر الإمام البخاري في حديث رقم 3655: حدثني عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حراء بينهما
ومن خلال الإسناد يظهر بوضوح سلسلة الرواة: عبد الله بن عبد الوهاب، وبشر بن المفضل، وسعيد بن أبي عروبة، وقتادة، وصولًا إلى أنس بن مالك رضي الله عنه، الذي خدم النبي ﷺ عشر سنين. كل واحد من هؤلاء الرواة معروف بسيرته الصادقة وموثوقيته، وقد درس العلماء تاريخهم وأخلاقهم، فثبتت عدالتهم وحفظهم للحديث دون تحريف.
ويذكر البخاري أيضًا في حديث آخر رقم 3636: حدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله رضي الله عنه قال: انشق القمر ونحن مع النبي ﷺ بمنى، فقال: (اشهدوا)، وذهبت فرقة نحو الجبل
وفي هذا الإسناد نجد عبدان، وأبو حمزة، والأعمش، وإبراهيم، وأبي معمر، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كلهم من الثقات الموثوق بهم، ما يوضح دقة نقل المعجزة وتواترها عبر عدة طبقات من الرواة، من الصحابة إلى التابعين ثم إلى كبار علماء الحديث.
لقد أورد هذا الحدث العديد من الصحابة، منهم عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وابن عباس، وابن عمر، وحذيفة، وعلي، وجبير بن مطعم، وغيرهم، ما يبين كثرة الشهود على هذه المعجزة وانتشارها بين الناس في زمن النبي ﷺ. وقد تحرى العلماء دقة الرواة، وتأكدوا من صدقهم وأمانتهم، فلم يشك أحد في صحة النقل.
وعلى هذا الأساس، يصبح هذا الحديث أحد الأمثلة البارزة على قوة سلسلة الإسناد في علم الحديث، التي تحمي التاريخ النبوي من التحريف وتؤكد المعجزات على مرّ أربعة عشر قرنًا. فكما نصدق اليوم الأخبار في وسائل الإعلام بناءً على مصداقية المصدر، فإن أحداثًا عظيمة حدثت قبل أكثر من 1400 سنة تثبت بصدقها من خلال سلاسل الرواة الصادقة والمتواترة.
إن جميع المعارف التي نكتسبها لا تأتي بالضرورة من التجارب العلمية والملاحظات التجريبية وحدها. تلك المعارف محدودة جدًا، وحتى العلماء أنفسهم يعتمدون غالبًا على تراكم المعرفة السابقة، وتستند استنتاجاتهم على ملاحظات وآراء سابقة. وما يصلنا من اكتشافات علمية هو نتيجة نفس المنهج، أي الاعتماد على ما وثّقه آخرون قبلهم.
في المقابل، أكثر ما نفهمه عن أحداث العالم يأتي من تقارير موثوقة ونقل صادق. وإن لم نحصل على هذه المصداقية، سيظل حوالي 95% من أمور حياتنا في ظل الشك وعدم اليقين. وهذالخبر ينطبق تمامًا على الأحداث التاريخية العظيمة التي وقعت قبل قرون طويلة، مثل انشقاق القمر، الذي لم يروه فقط عشرة أشخاص، بل نقله لنا القرآن الكريم نفسه، الكتاب الخالد الذي اجتاز أزمانًا وأجيالًا عديدة: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) } [سورة القمر: 1-2]
هذا النص القرآني، الذي تناقلته أجيال لا تحصى، يمثل وثيقة تاريخية موثوقة عن المعجزة، نقلها النبي ﷺ وأصحابه على مدى أكثر من عشر سنوات، ولم ينكرها أحد من أهل مكة. كل ما قاله المشركون هو أنها مجرد سحر، ولم يشكّكوا في حدوث الانشقاق ذاته.
بعض الناس يتساءلون: لو كان القمر قد انشق، لماذا لم يُشاهد في كل العالم؟ لماذا اقتصرت الرواية على أهل مكة فقط؟.
تخيل، أن النبي ﷺ عاش 63 عامًا، وأن كسوف الشمس والقمر يحدثان على الأقل مرتين سنويًا. إذاً، خلال حياته، كان يجب أن تقع حوالي 126 ظاهرة فلكية على الأقل. فهل تمّ توثيق كل هذه الأحداث؟ بالتأكيد لا. لكن هذا لا يعني أن الحدث لم يحدث، بل أن التوثيق كان محدودًا حسب السياق التاريخي والمكان.
ومن هنا يظهر جليًا: أهمية النقل الصادق والموثوق عبر الأجيال. فكما نصدّق اليوم وجود مدينة سان فرانسيسكو أو حياة غاندي لأن مصادرها موثوقة، هكذا نصدّق أخبار المعجزات النبوية التي تناقلها النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة، لأنها وثائق تاريخية قائمة على أمانة الرواة وعدالتهم.
مرة، حدث خسوف أو كسوف فسُجل في التاريخ، وكان السبب مرتبطاً بحياة النبي ﷺ. فقد حدث الكسوف عندما توفّي ابنه إبراهيم، وكان الناس في ذلك الزمان يعتقدون أن الكسوف يحدث لأجل ولادة أو وفاة أحد الأشخاص، فاعتبروا أنه حدث بسبب وفاة ابن النبي ﷺ. وكان ذلك بمثابة اعتراف لهم. لكن النبي ﷺ لم يستغلّ المناسبة، بل التزم بالحق. وأوضح أن الشمس والقمر مجرد آيات من آيات الله، لا تصيبها الكسوف والخسوف لأجل ولادة أو موت أحد. حينها أصبح ذلك الكسوف مرتبطاً بحياة النبي ﷺ، وسُجل لأنه كان هناك مجتمع مستعدّ لتوثيق كلّ ما يتعلق بالنبي ﷺ.
أما ما حدث من شطر القمر فكان دليلًا على النبوة، ولم يُستغلّ لإثبات عظمة النبي ﷺ لنفسه، وهذا يزيد من مصداقيّة حدث شطر القمر.
أما أحداث السماء التي تحدث بسرعة محدودة، قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، فمن الصعب أن يسجلها أحد، فربما كان الناس نائمين، وربما لو شاهدها أحد لظنّ أنها وهم أو خيال. وحتى لو شاهدوها، ليس بالضرورة أن يذكرها أحد، وحتى لو ذكرت فلا نضمن وصولها إلينا. ومن الصعب جداً التأكد من صحتها تاريخياً.
أما ما حدث في مكة فالأمر مختلف. هناك، عاش النبي ﷺ أربعين سنة بين الناس بصدق وسلوك حيّ لا يُشير إلى خطأ أو فساد. حين سأل الناس عن كونه رسول الله، أظهر لهم آيةً من آيات الله. فلو كان هناك إله للعالم، وهو الذي خلق الشمس والقمر، فهو القادر على شطر القمر، أو تقليصه، أو إنزاله، أو تثبيت ضوءه، أو رفعه، أو عرضه للناس بحسب إرادته. ومن ثم لا يمكن لأي إنسان عاقل أن ينكر هذا المعجزة، فالمعجزة التي تفوق قدرة البشر لا يمكن نفيها لمن ينكر ما هو واضح وحقيقي.
فلنترك الذين ينكرون الحق، ولنوجه السؤال إلى الذين يبحثون عنه بصدق. هل لنا حق في إنكار حدث تاريخي أقرّه كثير من الناس؟ هل نرفضه لأنه معجزة؟ حتى ظواهر مثل مثلث برمودا لم نشهدها جميعًا، ومع ذلك نصدقها ونؤمن بها بلا شك، فما السبب؟
هل هذه المعجزة حدثاً وحيداً فقط؟ لا، ليست كذلك! فعدد كبير من الناس شهدوا ذلك. إذاً، لماذا نعلم سبب اختفاء الطائرات في مثل مثلث برمودا؟ هل لدينا كل التفسيرات العلمية؟ لا. ومع ذلك، نصدق ذلك. هل نعرف عن صدق الأشخاص الذين أبلغوا عن هذه الظاهرة كل شيء؟ لا، ومع ذلك نقرّ بوجودها. إذن، سبب تصديقنا لمثلث برمودا هو نفس السبب الذي يجعلنا نصدق أن القمر قد شُطر.
هل هذه المعجزة حادثة منفردة؟ بالطبع لا! فقد حدثت العديد من المعجزات الأخرى، وتم نقلها عبر سلاسل قوية من الشهود الصادقين.
وقد بدأنا هذه المذكرة بالحديث عن حادثة شاهده ملك في كيرالا، وهو القمر المنشق. ولا يمكن تجاهل هذا الحدث أو إنكاره. إن التأمل في كيفية تسجيل حدث وقع في الجزيرة العربية في سجلّ هندي قديم هو أمر جدير بالتفكير. فهناك أيضاً سجلات هندية أخرى تتحدّث عن هذا الملك وعن رحلته إلى مكة. علاوة على ذلك، هناك تفاصيل دقيقة مرتبطة ببناء المساجد في الهند، وقد وُثّقت في تلك السجلات التاريخية، وكل ذلك يتوافق مع الوقائع التاريخية.
مثل هذا، هناك كثير من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم يخترق العادات ، ليست من نسج الخيالات، بل كلها مشهودة ومرويّة عمن رأوها من الصحابة، وسنتحدث عن ذلك.




