ما هو أول أشراط الساعة؟
وما هو أول طعام يأكله أهل الجنة؟
ولماذا يشبه الولد أباه أو أمّه؟
هذه أسئلة موجّهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قبل الحصين بن سلام.
كان الحُصين بن سَلام ـ الحَبْر اليهودي الكبير، والعالم الذي أجمع قومه على صدقه وأمانته ـ رجلاً قسّم أوقاته ثلاثة أقسام: ساعةً للعبادة والذكر، وساعةً للعلم والدرس، وساعةً للزرع والفلاحة. وكان لا يزال يتأمل في كتبهم وبشاراتها، ينتظر النبيّ الموعود الذي اقترب زمانه. وكان الخوف يساوره: لعلَّه يموت قبل أن يلقاه، فقد كان شغفه بلقاء النبي الخاتم عظيماً.
وفي يومٍ من الأيام، وبينما هو على نخلة يعمل في فلاحة أرضه، إذا بخبرٍ يهزّ كيانه: لقد قَدِم محمد ﷺ إلى يثرب! فما إن سمع حتى كبّر من أعلى النخلة: الله أكبر! فصاحت به عمّته خالدة، وكانت عند أصل الشجرة: ويحك يا ابن سلام! إن يكن موسى قد بُعث، فما عساك أن تقول؟ وهل من نبي أعظم من موسى؟
فأجابها بثبات: إنّه النبي الذي جاء بنفس رسالة موسى، مكمّلاً لما في التوراة ومصدّقاً لها.
فقالت: أهو ذاك الذي كنتم تذكرون أنه يجيء مصدّقاً لكتاب موسى؟ قال: نعم، هو بعينه.
ثم لم يتأخر، فانطلق إلى رسول الله ﷺ، فرآه، فإذا بوجهه ليس بوجه كذّاب، بل فيه سيما النبوة التي وصفها الله في الكتب السابقة. وكان النبي ﷺ يخاطب أصحابه في تلك اللحظة، يقول لهم: يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصَلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام.
تقدّم إليه الحَبْر الكبير، فقال له النبي ﷺ: ما اسمك؟
قال: الحُصين بن سلام.
قال ﷺ: بل أنت عبد الله بن سلام.
قال: هو ذاك، يا رسول الله.
ثم أراد ابن سلام أن يختبر النبي ﷺ، فسأله ثلاث مسائل لا يعلمها إلا نبيّ: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول ما يأكله أهل الجنة؟ ولماذا يشبه الولد أباه أو أمه؟
فأجابه النبي ﷺ: أما أول أشراط الساعة، فنار تخرج من المشرق تسوق الناس إلى المغرب ، وأما أول ما يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد الحوت. وأما الشبه في الولد: فإذا سبق ماء الرجل كان الشبه له، وإذا سبق ماء المرأة كان الشبه لها.
فقال عبد الله بن سلام في يقين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
وكانت هذه الشهادة ثمرة بحث طويل، ومطابقةً دقيقة لما في التوراة من البشارات. وقد أنار الله قلبه فكان من السابقين الأولين من أحبار اليهود الذين أسلموا، وصدّقوا برسالة النبي الخاتم ﷺ.
ثم قال عبد الله بن سلام للنبي ﷺ: يا رسول الله، إن اليهود قومٌ بُهتٌ كذابون. أنا عندهم ذو مكانة، محبوب بينهم، إن دخلتُ في الإسلام لن يتركوني إلّا وقد بهتوني وسبّوني. فادعُهم أولاً، فاسألهم عنّي، ثم اشهدْ ما يكون من أمرهم.
فاستدعى رسول الله ﷺ جماعةً من أحبار اليهود، وسألهم: ما تقولون في الحصين بن سلام؟
فقالوا جميعاً: سيدُنا وابنُ سيدِنا، وعالمُنا وابنُ عالمِنا، وخيرُنا وابنُ خيرِنا.
قال ﷺ: أرأيتم إن أسلم؟
فقالوا: حاشا لله! معاذ الله أن يُسلم.
فخرج عليهم عبد الله بن سلام فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
فإذا بهم ينقلبون على أعقابهم، ويقولون: هو شرّنا وابن شرّنا، وجاهلُنا وابن جاهلِنا! فقال عبد الله للنبي ﷺ: يا رسول الله، هذا ما كنت أخشاه.
وقد تكرّر مثل هذا المشهد في وقائع أخرى، منها ما رُوي عن ثَوبان مولى رسول الله ﷺ، إذ كان عنده صلى الله عليه وسلم يوماً ، فدخل أحد أحبار اليهود، ونادى باسمه يا محمد، فسلّم عليه. فغضب ثوبان وضربّه، وقال: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنّما ناديتُه بالاسم الذي سمّاه به أهله. فأقرّه النّبي ﷺ وقال: صدق، إنما سمّاني أهلي محمداً.
ثم قال اليهودي: يا محمد، أسألك عن مسائل، إن أجبتني علمتُ أنّك نبيّ.
فقال ﷺ: إن أجبتك، فهل ينفعك ذلك؟
قال: أستمع إليك بأذنيّ.
فأخذ النبيّ ﷺ عوداً فخطّ به في الأرض، وقال: سل عمّا شئت.
فسأله: أين يكون الناس يوم تُبدّل الأرض غير الأرض والسماوات؟
قال ﷺ: تكونون تحت الصراط، في الظلمة.
فمن أوّل الناس إذن يؤذن لهم بدخول الجنة؟
قال ﷺ: فقراء المهاجرين.
فما أول طعامٍ يُقدّم لهم في الجنة؟
قال ﷺ: زيادة كبد الحوت.
فما طعامهم بعد ذلك؟
قال ﷺ: يُذبح لهم ثور الجنة ، فيأكلون من أطرافه. فما شرابهم؟
قال ﷺ: عينٌ فيها تُسمّى سَلْسَبيلا.
فقال اليهودي: صدقتَ، فإني لأعلم أن هذا لا يقوله إلا نبيّ. ثم زاد فقال: بقي لي سؤال أخير، لا يعلمه إلا نبيّ . وفوق ذلك، رجل أو رجلان من الخلق.
قال ﷺ: قل. فقال: ما سبب الشبه في الولد: يكون ذكراً أو أنثى، ويشبه أباه أو أمه؟
فقال النبي ﷺ: ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر. فإذا سبق ماء الرجل كان الشبه له وكان الولد ذكراً، وإذا سبق ماء المرأة كان الشبه لها وكان الولد أنثى.
(عندما يلتقي الرجل والمرأة في الجماع، فإذا تغلب المني الذكري الحامل للصفة الذكورية (Y كروموسوم) على البويضة، يكون المولود ذكراً، وإذا غلبت البويضة الحاملة للصفة الأنثوية (X كروموسوم) على المني الذكري، يكون المولود أنثى.)
فقال اليهودي: صدقتَ، أشهد أنك رسول الله. فقال النبي ﷺ بعد ذلك: ما كنتُ أدري من هذا شيئاً حتّى أخبرني به ربّي.
هناك أمران في هذا الجواب يستحقان الدراسة والتأمل العميق؛ أحدهما الكشف عن إفراز المرأة. وعلى رأي العلم الحديث، فإن الإفراز الذي تفرزه النساء عبر مهبلهنّ، سواء أثناء الجماع أو خارجه، ليس أصفر اللون، ولا علاقة له مباشرة بإنجاب الأطفال.
ولكن ما يُفرز من المرأة بدلًا من المنيّ الذكري هو البويضة نفسها. ومنيّ الذكر يتدفق بسرعة عند الإفراز، فما لون هذا الإفراز؟ إنه أصفر، بل أصفر داكن!
في المرحلة الأخيرة من إفراز البويضة، يُنتج هرمون اللوتين (Luteinizing Hormone – LH) الذي يبدأ نشاطه ويحوّل السائل الجريبي إلى اللون الأصفر. وعندما تنفجر حويصلة البويضة (Follicle) لتخرج البويضة، يخرج معها السائل الجريبي الأصفر، وهو الإفراز الأنثوي الذي يشارك في بناء الجنين، بالمقارنة مع المني الذكري، فهو سائل أصفر ولين.
وقد اشتُق مصطلح اللوتين (Lutein) من الكلمة اللاتينية Luteus، والتي تعني "أصفر"، ومنه جاء اسم هرمون التبويض "اللوتينايزينغ" (Luteinizing Hormone – LH).
وفي عام 2008، في بلجيكا ، خلال إجراء جراحة بالمنظار لاستئصال الرحم ، تم – ولأول مرة في العالم – مشاهدة الإباضة مباشرة من المبيض صدفة. ويُظهر التصوير خروج السائل الأصفر من الحويصلة الجريبية بوضوح، كما هو موضح في الصورة أدناه.
http://news.bbc.co.uk/2/hi/health/7447942.stm.
وفي الحادي عشر من يونيو سنة 2008م نشرت الـ BBC تقريراً طبياً مصوَّراً عن لحظة خروج البويضة من المبيض أثناء الإباضة، ورأى الأطباء بأعينهم ما لم يكن معلوماً قبل ذلك إلا في المختبرات الدقيقة. فما أُدرك بالبصر في عصرنا لم يُدركه البشر قط من قبل. وهنا يثور السؤال: كيف نطق محمد ﷺ قبل أربعة عشر قرناً بحقائقٍ لا تُدركها علوم القرن العشرين إلا بعد جهد طويل وتجارب مضنية؟!
لقد قرر علم الأجنّة اليوم أن الذكر أو الأنثى يُحدَّدان في ماء الرجل، إذ تحمل نطفته الكروموسومات الحاملة لصفات الذكورة (Y) أو الأنوثة (X)، فإذا غلبت الكروموسومات Y واجتمعت ببويضة المرأة كان المولود ذكراً، وإذا غلبت الكروموسومات X كان المولود أنثى. وهذا عين ما أخبر به النبي ﷺ حين قال: ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما سبق أو غلب كان الولد والشبه، فسبق الطبَّ في تقرير أن التقدّم والغلبة لماء الرجل هو الذي يُحدِّد الذكر أو الأنثى.
فأين للرسول الأميّ ﷺ بهذا العلم الدقيق لولا أنه وحيٌ من رب العالمين؟
وإن في القرآن الكريم مزيداً من الإشارات الباهرة إلى دقائق خلق الإنسان وتطور الجنين في بطن أمه، فهل لك أن تسمع شيئاً من هذه الآيات، وما انطوت عليه من أسرار الخلق؟




