وقف رجلٌ بين يدي رسول الله ﷺ، وفي عينيه بريقُ رجاءٍ صادق، وقال بصوتٍ متهدّج:
«يا نبيَّ الله، ادعُ الله لأهل عُمان».فرفع النبيُّ ﷺ يديه الطاهرتين إلى السماء وقال:
« اللهم اهْدِهم إلى صراطك المستقيم، وامنحهم الثبات على الحق».
لكن الرجل لم يكتفِ، بل قال برجاءٍ أعمق: زدنا يا رسول الله، ادعُ أن يرزقهم الله الدِّين والتقوى، والكفايةَ والقناعةَ والرضا».ثم قال مرةً ثالثةً:
« يا نبي الله، هناك بحرٌ واسعٌ يجاورنا، فادعُ أن يجعل الله لنا فيه بركةً ورزقًا، وأن يُغنينا به في أقواتنا وأنعامنا». فدعا النبي ﷺ من جديد: اللهم اجعل أكثر أرزاقهم من بحرهم، وبارك لهم في أقواتهم».
ولمّا طلب الرجل مزيدًا من الدعاء، قال النبي ﷺ: اللهم لا تُسلِّط عليهم قوّةً من خارجهم تستذلّهم، وكونوا أنتم تقولون: آمين؛ فحيث يكون التأمين يكون الإجابة». ثم أكثر النبي ﷺ من الدعاء حتى ملأ رحمةُ صوته أرجاء المكان.
كان ذلك الرجل مازن بن غضوبة، القادم من أرضٍ بعيدةٍ تقع وراء الربع الخالي، من بلادٍ يمانيةِ الجوار تُسمّى عُمان، من بلدةٍ تُعرف بـ سمايِل، حيث نشأ وترعرع. وصل إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم من وراء 2000 كيلو متر ، هذا تاريخ عجيب !
وكان مازن قبل الإسلام يعيش حياةً مترفةً لا قيد فيها ولا ضابط؛ يشرب المسكر كما يشرب الماء، ولا يُنكَر عليه، ويخالط النساء بلا حرج، ويغنّي ويرقص في ليالٍ صاخبةٍ لا تنتهي. حياةٌ غارقةٌ في اللهو، حتى شاء الله له أن يُبعث إليه نورُ النبوّة من المدينة، فيقلب ليله نهارًا، ويهديه من ضلالٍ إلى إيمان، ومن عبثٍ إلى يقين.
وكان المجتمعُ الذي يعيش فيه لا يختلف كثيرًا عنه؛ قومٌ غارقون في الجهل، ضعيفو الإدراك، يعبدون الأحجار والأشجار من دون الله. فإذا أراد أحدُهم قضاء حاجته أخذ ثلاثة أحجار، فيستعمل اثنين منها، ويُبقي الثالث إن كان جميلَ الشكل، ليجعله معبودًا يتقرب إليه! يظل يطوف حوله أيامًا، حتى تقع عيناه على حجرٍ أجمل منه، فيترك الأول ويعبد الثاني!
وفي يومٍ من الأيام، وبينما هو واقفٌ أمام صنمه في خشوعٍ زائفٍ وسكونٍ عجيب، حدث أمرٌ غريبٌ لم يألفه من قبل؛ فقد سمع من داخل الصنم صوتًا غيبيًّا يناديه:
يا مازنُ اسمعْ تُسَرّ ظهرَ خيرٍ وبطنَ شرّ
بُعِثَ نبيٌّ من مُضَر بدينِ اللهِ الأكبر
فَدَعْ نُحيتًا من حجر تسلمْ من حرِّ سقر
ثم لم يلبث أن سمع الصوتَ ثانيةً يناديه بنداءٍ أوضحَ وأقرب:
أقبلْ إليّ أقبلْ تسمعْ ما لا يُجهَلْ
هذا نبيٌّ مُرسَلْ جاء بحقٍّ مُنزَلْ
آمنْ به كي تَعدِلْ من حرِّ نارٍ تُشعَلْ
وَقودُها بالجندلْ
تأثَّر مازِنٌ تأثّرًا عميقًا بذلك الحدث الغريب الذي سمع فيه نداءً من جوف صنمه، فانقلب قلبُه رأسًا على عقب. صار يمشي في الأرض مهمومًا يفكِّر، يبحث عن الحقيقة. وبينما هو على هذه الحال التقى برجلٍ قدم من أرض الحجاز — تلك الديار التي كانت تضم مكة والمدينة وما حولهما من السواحل الغربية لشبه الجزيرة العربية — فسأله عن أخبار تلك البلاد.
فقال الرجل: لقد ظهر هناك ابنُ عبد الله بن عبد المطلب، محمد ﷺ، وهو يدعو الناس إلى الله، ويقول لمن حوله:
اسمعوا لهذا الهادي الذي يدعوكم إلى الله، فإني لست متكبرًا ولا جبّارًا، ولستُ مستعلِيًا ولا عنيدًا.
أدعوكم إلى الله وحده، فاهجروا عبادة الأصنام، وأبشّركم بجنةٍ عرضها السماوات والأرض، وأنذركم من نارٍ لا تنطفئ، لا يجد ساكنها راحةً ولا سكينةً.»
عندها اهتزّ قلب مازن، إذ تذكّر الصوتَ الذي سمعه من جوف صنمه؛ هو نفس المعنى، هو نفس الدعوة! فما تردّد لحظةً أخرى، بل أسرع يمتطي دابّته، وانطلق يشقُّ الصحراء حتى بلغ المدينة المنوَّرة.
دخل على رسول الله ﷺ وقد بدت عليه أمارات التوبة والانكسار، وقال: يا رسول الله، أنا مازن، كنتُ شريبَ خمرٍ، وصاحبَ لهوٍ ونساءٍ، أنفقتُ مالي في المحرّمات، وما رُزقتُ ولدًا، فادعُ الله لي أن يطهِّرني من هذه الموبقات، ويغفر لي ذنوبي، ويمنحني العفّة، ويرزقني ولدًا تقرُّ به عيني.»
فرفع النبي ﷺ يديه ودعا له: اللهم بدِّل مازنًا بالقرآن بدل لذّاته، وأبدله بالحلال عن الحرام، وحرِّره من الخمر والفواحش، وامنحه العفّة والحَياء، وارزقه ولدًا صالحًا تقرُّ به عينه.»
لم يكن مازنا فحسب من أولئك الذين طلبوا الدعاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل كان الصحابة جميعا يبوحون لرسول الله ﷺ بشكواهم ومشكلاتهم في حوائجهم ، فيستمع إليهم ويعالج أمرهم. وكما ورد في الصحيح، جاء أبو هريرة رضي الله عنه يشكو نسيان العلم، فأعطاه النبي ﷺ علاجًا عمليًا. وجاء سلمة بن الأكوع يشكو إصابةً في قدمه، فكان يطلب شفاءه عنده ﷺ.
بل إنَّ ثقافةَ الشكوى واللجوء إلى النبي ﷺ كانت سلوكًا مألوفًا منذ أيام الصحابة؛ فحين أصاب المدينةَ قحطٌ شديد، ماتت الماشية وجفَّت ضروع النساء، وعمَّ الناسَ الضيقُ والجوع، قام أحدُهم يرفع صوته شعرًا:
وليسَ لنا إلا إليكَ فرارُنا وأينَ فرارُ الناسِ إلا إلى الرُّسُل
وهكذا، كان رسول الله ﷺ مأمنَ الملهوفين، وملاذَ المهمومين، وبابَ الرجاء للمستغفرين التائبين.
فلنعد إلى مازن ، هل أجاب الله دعاءه؟ نعم، لقد أُجيبت دعواتُ النبي ﷺ في حقّ مازِنٍ العُماني إجابةً باهرة، وكيف لا تُستجابُ وهو حبيبُ الله ومصطفاه؟! فما إن رفع النبي ﷺ يديه ودعا له، حتى انقشعت عن قلب مازن غشاوةُ الغفلة، وزال عنه ظلامُ الشهوة، كأنّ ماءَ النور قد اغتسل به قلبُه، فصار طاهرًا بعد دنس، مستقيمًا بعد اعوجاج.
وقد رُوي عن مازن نفسِه قولُه، وهو يحدّث قومَه بعد أعوامٍ من لقائه بالنبي ﷺ: زالت عنّي كلُّ رغبةٍ في اللهو والمعاصي، كأنما انتُزعت من قلبي نزعًا. فأكثرتُ من الحجّ بعد ذلك، وحفظتُ نصفَ القرآن، وتزوّجتُ أربع نساء، فرزقني الله ولدًا واحدًا سمّيته حيّان.
وكان ذلك الولدُ ثمرةَ دعاء النبي ﷺ، إذ لم يسأله مازن إلا أن يرزقه ولدًا واحدًا، فاستجاب الله كما سأل نبيَّه، لا يزيد ولا ينقص، فكانت الاستجابةُ تامةً على قدر الدعاء.
ولم يقف أثرُ الدعاء عند حدود مازن وحده، بل عمَّ بلادَ عُمان كلّها. فقد كانت أرضًا فقيرةً يابسةَ المورد، لا بحرَها يُغني ولا زرعَها يُجدي، حتى دعا النبي ﷺ لهم فقال: اللهم اجعل أكثر أرزاقهم من بحرهم، وبارك لهم في أقواتهم.
فما هي إلا سنواتٌ حتى عمَّت البركة أرضهم وبحرهم، وتحوّل حالهم من فقرٍ إلى رخاء، ومن شُحٍّ إلى سَعة.
امتلأت شواطئهم بالأسماك المتنوّعة، واشتهرت بينهم سمكةٌ مخصوصةٌ تُعرف اليوم بـ السردين العُماني، علامةً على دوام البركة التي دعا بها النبي ﷺ.
دعاءُ النبي ﷺ ليس كدعاء أحدٍ من البشر، ولا يجوز أن يُقاس به، فكلماتُه ﷺ وطلبُه من ربّه يحملان نورَ الوحي، وبركةَ القبول، ومقامَ القُرب الذي لا يُدانيه مقام. وقد تكرّر في السيرة شواهدُ كثيرة على أنّ الله لا يردّ له دعاءً، ومن أروعها ما جرى مع أبي هريرة رضي الله عنه وأمّه.
كان أبو هريرة من أكثر الناس حُبًّا للنبي ﷺ وحرصًا على دعوته، لكن قلبَه كان يحمله حزنٌ دفين، لأنّ أمَّه التي كان يحبّها حبًّا جمًّا — لم تدخل الإسلام رغم دعواته المتكرّرة. بل كانت ترفض كلامه بشدّة، وتمنعه من أن يحدّثها عن الدين، حتى آذاه ذلك نفسيًّا إيذاءً بالغًا.
وفي يومٍ جاء إلى النبي ﷺ وقلبُه يغلي بالأسى، وقال: يا رسول الله، دعوتُ أمي إلى الإسلام فأبت، وإنّي أدعوك أن تسأل الله أن يهديها إلى الحقّ. فرفع النبي ﷺ يديه ودعا: اللهم اهدِ أمَّ أبي هريرة. عاد أبو هريرة إلى بيته، وقلبُه مفعمٌ برجاء الاستجابة. فلمّا اقترب من الباب وجده مغلقًا، فطرق عليه، فقالت أمه من الداخل:
يا بُنيّ، انتظر قليلًا، فإنّي أغتسل. فتعجّب من قولها، وانتظر حتى خرجت، فإذا بها قد تجمّلت بثيابها، ووقفت أمامه قائلةً بصوتٍ تغشاه السكينة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
فأجهش أبو هريرة بالبكاء من شدّة الفرح، وعاد إلى النبي ﷺ يبكي ويضحك في آنٍ واحد، يخبره بأنّ الله استجاب دعاءه في لحظته، فحمد النبيُّ ربَّه وسُرّ بذلك.
ما أروع هذه الوقفة المتأمِّلة! إنها ليست مجرّد تساؤلاتٍ عابرة، بل هي نبضُ القلب الباحث عن اليقين، والمندهش من هذا النور الذي لم يخفت بريقه منذ أربعةَ عشرَ قرنًا.
حقًّا، حين يسمع المرء قصصَ النبي ﷺ، وما جرى مع أصحابه من الكرامات والاستجابات، قد يتساءل بعضهم: كيف نُصدّق أحداثًا مضت قبل أكثر من ألفٍ وأربعمائة عام؟ أليست هذه مجرّد رواياتٍ تناقلها الناس؟لكنّ الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
ففي سيرة النبي ﷺ لا مكان للظنون أو الخرافات، لأنّ الأمة التي حفظت القرآن حرفًا حرفًا، هي نفسها التي حفظت حياة نبيّها ﷺ لحظةً بلحظة.
خذ مثلًا قصة مازِن بن غضوبة العُماني رضي الله عنه — أول من أسلم من أهل عُمان — فهذه الحادثة لم تُروَ من طريقٍ مجهولٍ أو منقطع، بل جاءت بأسانيد معروفة، حفظها العلماء جيلًا بعد جيل. وقد دوّنها الإمام الطبراني — أبو القاسم سليمان بن أحمد — في كتابه العظيم المعجم الكبير، بسلسلة رواةٍ موثوقةٍ تصل إلى مازن نفسه، وهو الذي روى قصته بلسانه.
والطبراني من كبار أئمة الحديث، وُلِد سنة 260هـ (874م)، وطاف البلاد شرقًا وغربًا يجمع السنن والآثار من أكثر من ألف شيخ. رحل إلى الحجاز واليمن والشام والعراق ومصر وفارس، واستقر في أصبهان حتى وفاته سنة 360هـ. وقد عُرف بدقّته في الرواية وتثبّته في الأسانيد، فكانت كتبه مرجعًا لأهل العلم في القرون اللاحقة. هذه الدقّة في النقل ليست أمرًا عارضًا، بل هي من خصائص السيرة المحمدية وحدها.
فما من إنسانٍ في التاريخ وُصفت حياته — من مولده إلى وفاته — بهذا التفصيل والدقّة؛ حتى إن المؤرخين سجّلوا عدد شعرات شيب لحيته عند موته ﷺ!
لقد حُفظت سيرة النبي كما يُحفظ المصحف، رُويت أخباره بالأسانيد، ودُوّنت صفاته، وحُصرت أقواله وأفعاله وإشاراته، حتى نومه واستيقاظه، أكله وشربه، ضحكه وبكاؤه، حركات يده، التواء حاجبه، مشيته وجلوسه، نومه ويقظته، سفره وحضره، زواجه وحزنه ومرضه ووفاته.
فمن يقرأ هذا التاريخ الموثّق، ويقارن بينه وبين أيّ شخصيةٍ بشريةٍ أخرى، يدرك — بلا ريب — أن محمّدًا ﷺ ليس مجرّد رجلٍ من التاريخ، بل هو التاريخ الحيّ، الإنسان الذي بقي حيًّا في الذاكرة والوجدان، تُستعاد سيرته وكأنها تجري الآن أمام أعيننا. نعم، هذا هو السرُّ العجيب في سيرة محمدٍ ﷺ، الذي لم يُحفَظ في تاريخ البشر مثلُه لا في الدقّة ولا في الأمانة ولا في العُمق.
فأنصاره وأعداؤه، بيوتهم وبلادهم، قبائلهم وأنسابهم، كلّها مدوَّنة محفوظة، كأنها أمام أعيننا. بل إنَّ المسلمين اليوم يحفظون أسماء آباء النبي ﷺ وأجداده إلى خمسةٍ وعشرين جَدًّا متصلين، يعرفون نسبه الشريف من عبد الله بن عبد المطلب إلى عدنان، ثم إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.
ولم يقف الأمر عند شخصه ﷺ، بل امتدّ إلى أصحابه رضوان الله عليهم؛ فهؤلاء الثلاثمائة والثلاثة عشر الذين شهدوا معه معركة بدر، أوّل معارك الإسلام، ما زال المسلمون يذكرون أسماءهم وأسماء آبائهم وأجدادهم، ويعدّونهم تاجًا على الرؤوس، لا لأنهم محاربون عاديّون، بل لأنهم كانوا جند الله مع رسوله ﷺ. أيّ أمّةٍ في الأرض تحفظ بهذه الدقّة أسماءَ من خاضوا معركةً قبل ألفٍ وأربعمائة عام، وتتناقلها جيلًا بعد جيل حبًّا واعتزازًا؟
ثم انظر إلى العلم الذي نشأ حول حديث النبي ﷺ — إنه أعجوبةٌ في ذاته! حين يقرأ المرء اليوم حديثًا في صحيح البخاري أو صحيح مسلم أو سنن أبي داود، فهو لا يقرأ كلماتٍ مجهولة المصدر، بل يقرأ نصًّا مرتبطًا بسلسلة من الرواة تُسمّى السَّنَد، كلُّ واحدٍ فيها معروفٌ باسمه ونَسَبه وسيرته، حتى يُوصلنا إلى النبي ﷺ.
وهؤلاء الرواة يُسمَّون الرُّواة أو الروّاة، والعلماء لم يكتفوا بحفظ أسمائهم، بل درسوا سيرهم دراسةً دقيقةً مذهلة:
- هل كان الراوي صادقًا في حديثه؟
- هل كان قويَّ الذاكرة؟
- هل التقى بشيخه فعلًا أم لم يدركه؟
- هل سمع الحديث مباشرة أم عن واسطة؟
- كيف كانت أخلاقه وسيرته وطريقته في الحياة؟
ثم دُوّنت هذه المعلومات في علمٍ مستقلٍّ هو علم الجرح والتعديل، الذي يُعَدّ من أدقّ المناهج النقديّة في التاريخ الإنساني. وفيه عشرات المؤلفات التي تتناول سِيَر الرواة واحدًا واحدًا: مولدهم، وفاتهم، بلدهم، شيوخهم، تلاميذهم، سلوكهم، صدقهم، حفظهم، بل حتى نبرة صوتهم وطريقتهم في التحديث أحيانًا!
ولهذا، حين يقرأ المسلم اليوم حديثًا صحيحًا، يشعر أنه يسمع النبي ﷺ يتحدث إليه مباشرة، وكأن صوته الشريف يتردّد في أذنه، على الرغم من أن بينهما أربعة عشر قرنًا من الزمان. ذلك لأنّ كلَّ راوٍ في السلسلة كان كأنه يسلم الكلمة بيده لمن بعده، لا يبدّل ولا يزيد ولا ينقص، حتى وصلت إلينا كما خرجت من فم الحبيب ﷺ.
فمحمدٌ ﷺ هو النبيُّ الوحيد في التاريخ الذي لم يُحفظ كلامه فحسب، بل حُفظ صدى صوته في ذاكرة الأمة، حُفظت ملامحه، وسيرته، وخطواته، وضحكته، ودمعته، وكأننا نراه الآن أمامنا.
لن تبلغ أي من الكتب السماوية الأخرى التي بين أيدي الناس اليوم، ولا أقوال العظماء أو الشخصيات التاريخية، المنـزلةَ التي بلغتها الأحاديثُ النبوية الصحيحة؛ بل إن العجب كل العجب أن الحديثَ الصحيح أوثقُ عند المؤمن من أقوال الأحياء أنفسِهم! فلو أن رئيسًا من رؤساء العالم ـ كالرئيس الأمريكي مثلًا ـ أصدر بالأمس بيانًا رسميًا، لقرأناه اليوم في الصحف بألف صياغة وصياغة، تختلف باختلاف ميول الكُتّاب وأهوائهم ومقاصدهم. وفي هذا العصر الرقمي، حتى لو شاهدنا الخطاب مباشرةً على شاشات التلفاز، فإننا لا نكاد نطمئن إلى حقيقته؛ فما أكثر ما يقع في عالم التقنية من تزييفٍ وتحريفٍ وتبديلٍ في الصورة والصوت! إن الخبر الواحد نسمعه في قناتين فنراه خبرين مختلفين متناقضين.
لكن الأمر مع محمدٍ ﷺ غير ذلك تمامًا؛ فالتاريخُ لم يكن عائقًا بيننا وبينه، بل كان جسرًا ممتدًا عبر القرون. فإذا قرأنا حديثًا صحيحًا منسوبًا إليه، كأنما نسمعه من بين أنفاسه الشريفة، يخاطب به قلوبنا نحن الذين جئنا بعد أربعة عشر قرنًا من بعثته، فيتردّد صداه في أرواحنا كأنّه نَفَسٌ حيٌّ لا يزال يتكلّم.
ولنعد الآن إلى مَازِن بن غَضوبة، ذلك الصحابي الذي أشرق قلبه بنور الهداية بعد ظلمات الجاهلية، فعبّر عن إسلامه في أبياتٍ من أرقّ ما جادت به القلوب التائبة:
إليك رسولَ اللهِ خَبَّتْ مَطِيَّتِي تجوبُ الفيافي من عُمانَ إلى العرجِ
لتشفعْ لي يا خيرَ من وَطِئَ الحصى فيغفرَ لي ربي فأرجعَ بالفلجِ
إلى معشرٍ خالفتُ واللهِ دينَهم فلا رأيَهم رأيي ولا شرعَهم شرجي
وكنتُ امرأً بالعُهرِ والخمرِ مولعًا شبابي حتى آذَنَ الجسمُ بالنهجِ
فبدّلَني بالخمرِ خوفًا وخشيةً وبالعُهرِ إحصانًا فحُصِّنَ لي فرجي
فأصبحتُ همّي في الجهادِ ونيّتي فللهِ ما صومي وللهِ ما حَجّي
ثم عاد مازن إلى قومه، فاستقبلوه بالسخرية والاستهزاء، ونظموا فيه الأشعار، لكنه لم يردَّ عليهم، بل اعتزلهم واعتكف في مسجدٍ بناه بنفسه سمّاه مسجد المَزْيَن في بلدة مِلْمار (وهو قائمٌ إلى اليوم). وقد جدّده السلطان قابوس بن سعيد في زمنه، ليبقى شاهدًا على أول أنوار الإسلام في عُمان.
وحين غاب مازن عن قومه أحسّوا بفقده، إذ كان رجلهم المصلحَ وصاحبَ الرأي والمكانة، فعادوا إليه وقالوا :تمسَّك بدينك كما تشاء، ولكن لا تتركنا، فأنت لنا قائدٌ ورمز.
وهكذا، تحوّل الرجل الذي هُزئ به أولَ الأمر إلى منارةٍ للإيمان، ووسيلةٍ لهداية قومه، فكان كما أراد الله له أن يكون: عبدًا صالحًا، ونورًا يهدي من بعده إلى صراطٍ مستقيم.
حين عاش مازِن بن غضوبة مسلمًا بين قومه، وقع العجبُ في أرض عُمان؛ فقد تغيّر وجه الحياة هناك، وأقبل الناس على نور الإيمان أفرادًا وجماعات. رأوا في مازن ومن تبعه صفاءَ النفوس، ونقاءَ السيرة، واستقامةَ الطريق، فعلموا أن هذا الدين لا يُؤتى من فكرٍ بشرٍ، بل هو وحيٌ من عند ربٍّ حكيمٍ عليم. وهكذا انتشرت بشائر الإسلام في الأرض الطيبة، لا بالسيف ولا بالصوت العالي، بل بسلوك المؤمنين الذين تجلّت فيهم رحمةُ محمدٍ ﷺ وصدقُ رسالته.
ورأى مازن بعينيه أثرَ دعوة النبي ﷺ في قومه، ورأى كيف بدّل الله الجوعَ رغدًا، والجدبَ خصبًا، والظلامَ نورًا، فامتلأ قلبه شكرًا، واشتاقت روحه إلى لقاء الحبيب المصطفى ﷺ من جديد.
عاد مازن إلى المدينة، يسوق الشكر إلى رسول الله ﷺ، فقصّ عليه ما رأى: كيف عمَّ الخيرُ أرضَ عُمان، وكيف أقبل الناس على الإسلام بقلوبٍ منشرحة، وكيف تحوّل قومٌ كانوا يعبدون الحجارة إلى قومٍ يرفعون أكفَّهم إلى ربّ السموات والأرض.
ابتسم الحبيب ﷺ، ورفع كفَّيه الطاهرتين إلى السماء، وقال دعاءً خلدته القلوب قبل أن تحفظه السطور:طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني، ولم يرَ من رآني.
دعاءٌ تجاوز الزمان والمكان، فشملنا نحن الذين لم نر وجهه الشريف، لكننا آمنا به حبًّا وتصديقًا. فسلامٌ على مازن الذي حمل إلى قومه بشارةَ النور، وسلامٌ على نبيِّ الرحمة الذي دعا لنا قبل أن نُخلَق، فكانت بركةُ دعوته حياةً تسري في قلوب المؤمنين إلى يوم الدين.




