كانت ابنة مِصدع بن المحيّا ، تُدعى صَدوف، تراود ابن عمّها وتغريه بقولها: أتعقرها لي هذه الناقة؟ أعطيك جسدي جزاءَ ذلك! فأبَى عليها، كانت هناك امرأة عجوز تُدعى عُنيزة، هي الأخرى أغرت أحد الشباب، قُدار بن سالف، فقالت له: إن أنتَ نحرتَ الناقة، فاختر من بناتي الأربع من تشاء! فقرّر قدار على ذبح الناقة ، فدبّر الأمر، ثم اجتمع معه جماعة من الفتية الأشرار. وهؤلاء -كما يذكر الإمام الطبري في تفسيره - هم الذين أشار إليهم القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: 48].
عزم القومُ على الفتك بالناقة، فاختبؤوا عند مورد الماء حيث كانت تشرب، وترقّبوها حتى إذا دنتْ، صوّبوا نحوها السهام، فأصابوها، وهاج النساء بالصياح والفرح، وكشفن وجوههنّ في نشوة الإثم والغرور. ثم تقدّم قُدار بن سالف، فضربها بسيفه ضربة قاطعة خرّت بها الناقة على الأرض، وهي تُصدر أنينًا عجيبًا كأنّها تستغيث وتُحذِّر ولدها. ويُروى أن فصيلها كان يدور حولها يصيح كأنه يقول: يا أمّاه، أين أنتِ؟ ثمّ فرّ حتى دخل في كهفٍ من صخرٍ، واختفى هناك، بينما أكمل قُدار جريمتَه فأنهى ما بدأه.
والحديث هنا عن ناقة نبيّ الله صالح عليه السلام، تلك الآية العظيمة التي أظهرها الله لقوم ثمود حين طلبوا دليلاً حسّيًا على صدق نبوّته. لقد قالوا لنبيّهم صالح: إن كنتَ صادقًا في أنّك رسول من عند الله، فأتنا بآيةٍ نراها بأعيننا. فقَبِل نبي الله صالح عليه السلام طلبهم، مستندًا إلى وعد ربّه، وقال: سيُريكم الله ما تطلبون. فأخذ القوم يتشاورون فيما بينهم ليختاروا آيةً لا يمكن لبشرٍ أن يأتي بمثلها، حتى قالوا : ليُخرجْ لنا من جوف هذا الصخر الصلدِ ناقةً عظيمة، عُشراء، أي حاملا، تلد بعد خروجها!
وكانوا عُبّادَ أصنامٍ، قد أرهقتهم الأوهام، ولكنّهم قالوا: إن تحقّق ذلك، آمنّا بك وتركنا آلهتنا.
فجاء وعد الله الحقّ، فانشقّ الصخر الجامد كما تنشقّ الأرض بالماء، وخرجت منه ناقة الله المباركة، تمشي على وجه الأرض آيةً باهرةً من آيات الخالق. وقال لهم صالح عليه السلام: هذه ناقةُ الله، لها شِربٌ ولكم شِربُ يومٍ معلوم، فلا تمسّوها بسوءٍ فيأخذكم عذاب يومٍ عظيم.
فقبلوا في الظاهر، ولكن قلوبهم امتلأت حسدًا وكِبرًا. كانت الناقة تدرّ لبنًا طاهرًا يكفيهم جميعًا، ومع ذلك ضاقوا بها ذرعًا، لأن وجودها كان يُذكّرهم بآية الله، وبضعف آلهتهم التي لا تنفع ولا تضرّ.
إن الصخر لا يلد، والجماد لا يحيي شيئًا، ولكن الله خالق الأسباب ومبدّل السنن، يفعل ما يشاء، لا يحكمه قانون الطبيعة، بل هو الذي يُنشئ الطبيعة ويقلبها كيف شاء. فخروج الناقة من الصخر شهادة ربّانية تقول بلسان الحال: يا قوم، إن صالحًا رسولٌ من عند الله.
لقد كانت الناقة دليل النبوّة، وعلامة الصدق، وآيةَ الرحمة. ومع ذلك، كفر القوم بعد البيان، وسوّلت لهم أنفسهم أنّ الناقة تهدّد رغد حياتهم ، فاجتمعوا يتآمرون على قتلها، يلهثون وراء دنيا زائلة، لا يفقهون أنّ ناقة الله ليست عدوًّا لهم، بل كانت امتحانًا ورحمة.
تحدّث القرآن عن جريمتهم في سورة الشمس بأروع بيان: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا * فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: 9–15].
لقد جاءهم صالح عليه السلام بالنور والرحمة، فردّوه بالتكذيب والعُقر، فحلّ بهم العذاب الذي لا مردّ له، ليبقى ذكرهم عبرةً لمن يأتي بعدهم أنّ من أعرض عن آيات الله بعد البيان، عاقبه الله بعدلٍ لا يظلم فيه أحدًا.
نرى في صلالة بسلطنة عُمان صخرةً تُعرَف بين الناس بأنّها صخرة ناقة نبيّ الله صالح عليه السلام. وقد أوْلتِ الحكومة العُمانية هذا الموضع عنايةً خاصة، فبنت عليه مبنى يحفظه من عوامل الطبيعة، لتبقى تلك الشهادة الحجرية صامتة، لكنها تنطق بلسان التاريخ والإيمان.
إنّها صخرة واحدة، ولكنها تحمل في طيّاتها رحلة تمتدّ إلى ما قبل ألفي عام. صخرة تنطق بلا لسان، وتروي حكاية قومٍ رأوا آية الله بأعينهم ثمّ أعرضوا عنها. تُرى في الصخر ثقوبٌ صغيرة وآثارٌ تشبه الأقدام، كأنّها بقيّة من مشهدٍ غابرٍ نُقِش في الذاكرة البشرية. وعند مدخل المبنى، نُقشت لوحةٌ رسمية تقول: بحسب ما تواتر من أخبار الأوّلين، هذه آثار ناقة نبي الله صالح عليه السلام.
فإذا وقفتَ أمام تلك الصخرة، يتجاوز الفكر حدود المكان والزمان، وتغدو أمام مشهدٍ يُعيدك إلى زمن الأنبياء، إلى تلك القلوب التي قست بعد البيان، وإلى القوم الذين رأوا المعجزة فأنكروها. كم يفيض القلب حينها يقينًا بأن أنبياء الله لم يكونوا أساطير تُروى، بل كانوا بشرًا أرسلهم الله بالحق، تركوا آثارهم وشواهدهم في الأرض.
فهذه آثارٌ منسوبة إلى صالح عليه السلام في عُمان، وكذا في بقاع شتى من الأرض مواضعُ تعرف أنّها قبور أو مواطن أو علامات للدعوة لكثير من الأنبياء عليهم السلام كإبراهيم وإسحاق ويعقوب وأيوب وشعيب وهود وموسى وعيسى عليهم السلام، كلّها تنطق عن الله ورسله وعن آياته الظاهرة البينة لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. أليس الله يقول في كتابه الكريم:﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137].
وهكذا حين تقف أمام تلك الصخرة في صلالة، لا تراها حجراً جامداً، بل مرآةً تُريك وجه التاريخ الإيماني للإنسان؛ تُذكّرك أن ما قصّه القرآن حقّ، وأن دعوة الرسل لم تكن وهماً ولا خيالاً، بل حقيقةً شهدتها الجبال والرمال والقلوب.
وإذا تذكّرت أنّ نبي الله موسى عليه السلام ضرب الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، فاعلم أن تلك الصخرة ما زالت اليوم تُرى في أرض مصر، شاهدةً هي الأخرى على أن الجماد إذا مسّه وحي الله، صار ناطقاً بالحقّ.
قريبًا من ذلك الموضع، يُعرف قبرٌ يُنسَب إلى عمران، والدِ نبيّ الله موسى وأخيه هارون عليهما السلام. القبر مشيَّد داخل بناءٍ خاص، طويلٌ على نحوٍ لافت، وقد خُصِّص له حارس رسميٌّ يشرف على المكان.
تقرأ على اللوحات المعلَّقة هناك تعريفًا بعمران. هو عبدٌ صالحٌ وابنٌ مبارك في سلسلة الأنبياء، وقد شُرِّفَ بانتسابه إلى بيت النبوّة، إذ يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 33]
أما قبر نبي الله صالح عليه السلام، يقع على بُعد نحو مئتي كيلومتر من صلالة، في موضعٍ تحفّه الجبال والسكون، كأنّ الطبيعة نفسها تحتفظ بسرّ تلك القصة التي اهتزّت لها الأرض. ويُذكر أيضًا أنّ في صلالة موضعًا آخر يُنسَب إلى نبي الله هود عليه السلام، يقع على قمة جبلٍ أخضر، يطلّ على الوادي في منظرٍ مهيبٍ يجمع بين الجلال والعزلة، كما أن في اليمن، القريبة من صلالة، موضعًا آخر يُقال إنه قبر هود عليه السلام .وقد اختلفت الروايات في تعيين مكانه، فكلُّ قومٍ يحتفظون بما وصلهم من أخبار الآباء والأجداد، وهي اختلافات لا تُستغرب في مسار التاريخ، إذ حتى في قبور الأولياء والعلماء المتأخرين كثيرًا ما نجد تعدّدًا في الروايات والمواقع.
وهكذا تبقى هذه المشاهد، ما بين صخرةٍ وقبرٍ وجبلٍ، شواهدَ صامتة تذكّر الإنسان بأن هذه الأرض مشَتْ عليها أقدام الأنبياء والصالحين، وبأن الرسالة لم تكن خيالًا ولا أثرًا بعيدًا، بل كانت تاريخًا موصولًا بالإيمان، يتردّد صداه إلى اليوم.
في أرض اليمن ، من بعيد ، تبدو جبال الأحقاف شامخة كأنها سورٌ يمتدُّ في الأفق ليحرس ذاكرة الأرض. نعم، تلك الجبال التي تحمل اسمها سورةٌ في القرآن الكريم – سورة الأحقاف – حيث تدور الآيات حول قصّة نبيّ الله هود عليه السلام وقومه عاد، أولئك الذين سكنوا الوهاد بين رمال الجنوب وجبال اليمن.
حين تهبط الطائرة في مطار صنعاء، وتبدأ الرحلة بالحافلة نحو دار المصطفى في حضرموت، تمتدّ أمامك هذه السلاسل الجبلية الصامتة، فيظهر لك الجبال في ثوبٍ آخر غير الذي تألفه العيون. إنها ليست جبالًا خضراء تتدفّق من سفوحها العيون، ولا سهولًا يمرح فيها الطير والوحش، بل صخورٌ جرداء تمتدّ بلا نهاية، وأودية خالية إلا من السكون والرهبة. لكن ما أعجب أن يكون للصمت جماله، وللجدب جلاله!
تبدو القمم كأنّها جدران قصرٍ عظيمٍ هُدِمَ بعضه وبقي بعضه قائمًا، والسطوحُ مسطّحة كأن يدًا هندسية قد قطعت الصخور بمسطرةٍ دقيقة. وفي مواضع أخرى ترى كهوفًا محفورةً ومنحدراتٍ مصقولةً حتى يخيّل إليك أنّك تنظر إلى أطلال مدينةٍ قديمةٍ نحتها أهلها في الجبال، ثم رحلوا عنها وبقيت لتُشهد عليهم.
أتكون هذه بقايا مساكن عادٍ وثمود؟ أولئك الذين قال الله في شأنهم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 6–14].
تتردّد هذه الآيات في القلب كما يتردّد صدى الريح بين الجبال، فتشعُر أن هذه الصخور، وإن خلت من الحياة، ما زالت تحفظ آثار أولئك الجبابرة الذين ملأوا الأرض قوةً ثم زالوا، لتبقى جبال الأحقاف شاهدةً على فَناء القوة وبقاء العبرة.
في سورة الأحقاف، يعرض القرآن مشهدًا حيًّا من قصة قوم عاد، حين بعث الله إليهم نبيَّه هودًا عليه السلام، يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: 21]. وقال لهم نبيهم: يا قومِ، اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره، أفلا تتقون؟ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فقال هود عليه السلام: يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ . وفي سورة الحاقّة أيضًا، يتكرر ذكر عادٍ وثمود، فيقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 5–7].
وهنا يسأل البعض: من أين جاء محمدٌ ﷺ بهذا البيان المفصّل عن قومٍ بائدين، لم يبقَ لهم أثر في زمنه؟ هل سمعه من أهل الكتاب؟ هذا مستحيل، لأن هذه السور نزلت في مكة، حين كان اليهود والنصارى يعيشون في المدينة، ولم يكن للنبي ﷺ اتصالٌ بهم حينذاك. ثم إنّك لو بحثتَ في الكتب المقدسة السابقة – التوراة والإنجيل – فلن تجد فيها ذكرًا لآل عادٍ ولا لثمود، لا في مواضعهم ولا في صفاتهم ولا في مصائرهم. فمن أين جاء هذا العلم المفصَّل؟
فالجواب واحد لا غير كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: 40–43]. لقد أنزل الله هذا الكتاب على نبيّه ﷺ، فكشف له حقائق التاريخ المطمورة في الرمال، حقائق لم تُدوَّن في أيّ كتاب من قبل، ولم يعرفها أحد من أهل عصره.ولم تقف الشواهد عند حدود النصّ القرآني، بل امتدّت إلى الآثار المكتشفة حديثًا، إذ عُثر عام 1988م على مساكن ثمود في شمال المملكة العربية السعودية، على يد عالم الجيولوجيا تشارلز مونتاغو دوتي (C. M. Doughty)، وهي اليوم تُعرَف باسم مدائن صالح. وقد تبيّن للعلماء أن هذه المساكن منحوتة في الصخور الصلبة بدقةٍ وإتقانٍ عجيب، كما وصفها القرآن تمامًا: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149]. هكذا تتضافر الآيات القرآنية مع الاكتشافات الأثرية لتقول بلغة واحدة :إنّ ما في هذا الكتاب ليس من عند بشر، بل هو وحيٌ من عند ربٍّ عليمٍ بكلّ شيءٍ في السماوات والأرض.




