هل كانت مغارةُ حراءَ مختبرا لعلم الأجنةِ؟ وهل كان جبلُ النورِ مركزاً للأبحاث الجيولوجيةِ؟ إن الجزيرة العربية التي نعرفها اليوم بصحرائها القاحلة وتلالها الهامدة، كيف سيكون الحال لو تحولت إلى جناتٍ غناءَ، تترنم فيها الجداولُ، وتغرد فوق أغصانها الطيورُ، وتتمايل فيها الزهورُ مع نسمات الرق، حيث تضج الحياة بالخضرة والمياه؟ اكتبوا هذا عندكم؛ فذلك كائنٌ لا محالة، فقد تنبأَ النبيُّ ﷺ بهذا التحول العظيم.
يقول الحديثُ الشريفُ: لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهارا. لقد بدأت تظهرُ البوادرُ التي تؤكد عودة الجزيرة العربية خضراءَ كما كانت. وبدأت تصدُرُ الدراساتُ العلمية التي ترصد ذلك، ففي قلب الفيافي التي كانت قاحلة، شُوهِدَتْ مزارعُ ممتدة لكيلومترات، وذُكِرَ أن فواراتِ المياه قد انبجست في بقاع شتى.
فهل نكون من السعداء الذين يكتحلون برؤية الصحراء وهي ترتدي حلتَها الخضراء؟ لنعد إلى منطوق الحديث النبوي، فهو لا يحمل نبوءةً للمستقبل فحسب، بل يكشفُ الماضيَ الغابر أيضاً. فما معنى كلمة تعود؟ إنها تعني أن أرض العرب كانتْ في زمنٍ مضى واحةً غناءَ. فهل كان الأمر كذلك حقاً؟ هل كانت تعج بالأنهار والبساتين؟ نعم، لقد أثبتَ القرآنُ ذلك حين تحدث عن قوم نبي الله هودٍ عليه السلام، حيث ذَدَّدَ هودٌ النعمَ التي ساقها اللهُ إليهم قائلاً: أمدكم بأنعام وبنين، وجنات وعيون.
هذا يعني أن القرآن الكريم لم يفصل فقط في عقائد عاد وثمود وعباداتهم أو قوتهم البدنية وعمرانهم، بل وصفَ القرآنُ بدقةٍ طبيعةَ أرضهم وجغرافيتها. قد يتساءل البعض: هل يجب أن نصدق هذا لمجرد ذكره في القرآن؟ الحقيقة هي أن علماءَ الجيولوجيا قد وصلوا إلى هذه النتيجة بفضل الأبحاث الحديثة.
يقول الدكتور ماكلور (Dr. Mc Lure) الذي نال الدكتوراه في دراسة صحراء العرب عام 1984: بين 37 ألف إلى 17 ألف سنة مضت، كانت الجزيرةُ خضراءَ زاخرةً بالمياه، ثم تغير المناخُ فتشكلتِ الصحراءُ. ثم عاد التصحر ليختفي وتظهر الغابات والبحيرات، ومنذ 5000 عام عادت قاحلة كما نراها. لقد وجدنا في منطقة الربع الخالي أسنانَ فرس النهر وبقايا أحياء مائية. فمن يضمن ألا تعود الأمطارُ الغزيرةُ وتكتسي الأرضُ بالخضرة مرة أخرى؟
كما قدمَ الدكتورُ رون بلوم (Dr. Ron Bloom) ملاحظاتٍ مماثلة، مؤكداً أن هذه الصحاري كانت يوماً ما عامرةً بالأنهار والحدائق والحيوانات. والمثير للدهشة أن البشريةَ لم تعرف هذه الحقيقة يقيناً إلا في عام 1972 عبر القمر الصناعي (Landsat 1) الذي التقطَ صوراً باستخدام الأشعة الكهرومغناطيسية.
كيف وردت هذه الحقيقة التي لم يعرفها العالم إلا عام 1972 في كتابٍ من القرن السادس الميلادي؟ لا يوجد إلا جوابٌ واحد: إن القرآنَ ليس من تأليف محمد ﷺ، بل هو تنزيلٌ من لدن رب العالمين. هذه الكلمات نطق بها رجلٌ صادقٌ نزل من الغار، لم يرتدِ المدارسَ، ولم يحبس نفسه في المختبرات، ولم يدرس علوم الأقدمين. فهل كانت مغارة حراء مختبراً للأجنة؟ وهل كان جبلُ النورِ مرصداً لعلوم الأرض؟
لا تقتصرُ المعجزاتُ العلميةُ في القرآن الكريم على عِلمَي الأجنة والجيولوجيا فحسب، بل يقدِّمُ القرآنُ إشاراتٍ لعديد من الحقائق العلمية التي لم يكتشفها العالَمُ إلا في العصور المتأخرة. وفيما يلي نذكرُ بعضَ الأمثلةِ باختصار، مع ترك التفاصيل لوقت لاحق:
١) ظلمات البحار السحيقة وأمواجها الداخلية: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40:24)
٢) الأعاصير النارية: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266:2)
٣) معجزات النحل: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) النحل
٤) وهن بيت العنكبوت: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) العنكبوت
٥) مصدر اللبن (الحليب): وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشارِبِينَ (66) النحل
٦) أصل الحديد (الإنزال من الفضاء): لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) الحديد
٧) مستقبلات الألم في الجلد: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) النساء
٨) ضيق التنفس في المرتفعات: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشرحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) الانعام
٩) مرج البحرين وعدم اختلاطهما: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) فرقان مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) الرحمن
١٠) نشأة الكون (الانفجار العظيم): أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) الانبياء
١١) توسع الكون: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) الذاريات
١٢) الغلاف الجوي (السقف المحفوظ): وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) الانبياء
١٣) بَصَمات الأصابع: بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) القيامة
١٤) السحب الركامية والرياح: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) الذاريات
١٥) جريان الشمس في مدارها: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) يس
١٦) حركة الجبال (دوران الأرض): وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) النمل
١٧) تكون المطر والبرد: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43) النور
١٨) كروية الأرض وتكويرها: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) الزمر وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) النازعات
١٩) غزو الفضاء والارتقاء في السماء: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22) العنكبوت
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) الرحمن
الإعجاز الأدبي والبياني:
لا تقتصرُ عظمةُ القرآنِ على سرد الحقائق فحسب، بل إنَّ جمالَ آياتِهِ وبلاغتَها الأدبيةَ أمرٌ يبعثُ على الدهشة. لقد كان العربُ قديماً ملوكاً في الفصاحة رغم افتقارهم للعلوم المادية، فكان نبوغُ شاعرٍ في قبيلة ما يُعدُّ عِيداً يُحتفَلُ بهِ، إذ كان الشاعرُ لسانَ حالهم وحكيمَهم.
لو ادّعى محمدٌ ﷺ أنَّ القرآنَ من تأليفه لَوجدَ قبولاً كبيراً بين قومه، ولَباهوا به الأممَ؛ لأنهم أدركوا تماماً سحرَ بيانه وجماله. لقد كانوا يُؤخَذون بروعته حتى إنهم كانوا يسترقون السمعَ لترتيله خفيةً.
لكنَّ النبيَّ الصادقَ أعلنها صراحةً أنَّ هذا الكلامَ ليس من عنده، بل هو كلامُ اللهِ الذي أرسله. وهذا ما أثارَ غضبَهم. فكيف لـرجلٍ لم يرتدِ مدرسةً ولم يعرفِ المختبراتِ أن يأتي بهذه العلوم؟ فهل كان غارُ حراءَ مختبراً للأجنة؟ وهل كان جبلُ النورِ مرصداً للجيولوجيا؟




