كان الشيخ محمد عبد القادر الأنصاري من العارفين بأحوال السالكين في طريق الصوفية. وقد ذكر مرّةً لتلميذ الإمام النووي، علاء الدين ابن العطار، كلامًا يدلّ على علوّ منزلة الإمام في هذا الباب، فقال: إن الإمام عبد الكريم أبو القاسم القشيري هو صاحب كتاب الرسالة القشيرية في التصوّف، ولو أنه أدرك شيخَكم يحيى بن شرف النووي وشيخَه أبا إسحاق الشيرازي، لكان أوّل من يذكرهما في كتابه؛ لما اجتمع فيهما من العلم والزهد والدقة في الدين وعمق الفهم.
بساطة حياته
كانت حياة الإمام النووي شديدة البساطة، فلم يكن يميل إلى متاع الدنيا ولا إلى مظاهرها. وكان ذلك مع كونه عالمًا بارعًا في علوم كثيرة. وقد قال عنه المؤرخ شمس الدين الذهبي: وكان مع تبحره في العلم، وسعة معرفته بالحديث والفقه واللغة وغير ذلك بما قد سارت به الركبان، رأساً في الزهد، قدوةً في الورع، وقال أيضاً: كان عديم الميرة والرفاهية والتنعّم، مع التقوى والقناعة والورع الثخين، والمراقبة لله في السرّ والعلانية، وترك رعونات النفس من ثياب حسنة، ومأكل طيب، وتجمل في الهيئة.
نصيحة أحد العلماء له
يذكر العالم رشيد الدين الحنفي أنه قال للإمام النووي يومًا: لماذا تُلزم نفسك بهذه الشدة في الطعام واللباس ونمط الحياة؟ أليس في ذلك مشقة على نفسك؟ أخشى إن استمرّ هذا الحال أن يمرض جسدك، فتتعطل عن الخدمات العظيمة التي تقدّمها للأمة. فأجابه الإمام النووي بكلام يدل على عمق نظره، فأجاب بكلامه:
إن الإنسان قد يكثر من الصيام والعبادة حتى تضعف عظامه من شدة المجاهدة، ولكن القوة الحقيقية لا تأتي من الطعام المادي، بل من الغذاء الروحي. فلما سمع رشيد الدين ذلك قال في نفسه: أدركتُ أنّ هذا الرجل لا يفكّر كما نفكر ، ولا يريد البقاء في الدنيا طويلًا كما نريد، فرجعت عنه.
شدة احتياطه في الحلال
كان الإمام النووي شديد الاحتياط في تحرّي الحلال. حتّى إنّه كان يمتنع عن أكل كثير من الفواكه الموجودة في دمشق، فسأله أحد تلاميذه عن سبب ذلك، فأجابه قائلاً: بلغني أنّ كثيرًا من الأراضي والبساتين في هذه البلاد موقوفة (أوقاف)، وينبغي أن تُصرف منافعها للفقراء والأيتام والمحتاجين. ولكنّي أخشى أنّ كثيرًا من الناس لا يراعون هذه الأمانة كما ينبغي، فكيف أطمئنّ إلى أكل هذه الثمار؟ ولهذا السبب كان لا يستعمل شيئًا إلا إذا تحقق تمامًا من حِلِّه.
لم يكن يأخذه لنفسه حتى الراتب الذي كان مخصصًا له عندما تولّى التدريس في دار الحديث الأشرفية، فقد كان في أول الأمر يتركه عند أمين الدار، ثم بعد مرور سنة يشتري به عقارًا أو كتبًا ويجعلها وقفًا لدار الحديث أو لمكتبتها. ثم بعد ذلك ترك أخذ الراتب تمامًا. ويذكر شمس الدين الذهبي أنّه منذ تولّى رئاسة دار الحديث لم يأخذ شيئًا من راتبه، وكان يكتفي بما يرسله له والده من طعام قليل، ولا يقبل شيئًا من أحد إلا نادرًا ومن أشخاص يثق بدينهم.
وكان الإمام النووي يتذكر في هذا الباب قصة الصحابي أبيّ بن كعب. فقد علّم رجلًا القرآن، فأهدى له ذلك الرجل قوسًا جميلًا مكافأة له. فلمّا علم النبيّ ﷺ بذلك قال له: إن أخذتَها أخذتَ قوسًا من نارٍ. فردها إلى صاحبه. وقد كان هذا القول في ظرف خاص يتعلق بتعليم القرآن على سبيل الأجرة. ومع ذلك فإنّ أخذ الراتب مقابل التعليم ليس محرّمًا في الإسلام في الأصل، لكنّ الإمام النووي اختار لنفسه طريق الزهد الشديد والاحتياط البالغ.
ومع هذا كله لم يكن الإمام النووي يرى أنّ على الناس جميعًا أن يسلكوا طريقه نفسه في الزهد. بل كان يرى أن من استطاع أن يأكل طعامًا جيدًا ويلبس لباسًا حسنًا من الحلال فلا حرج عليه في ذلك. وقد استدل بحديث يُذكر فيه أنّ النبي ﷺ كان يحبّ العسل والحلوى، وقال إنّ هذا يدل على أن تناول الطيبات مباح ولا يتعارض مع الزهد أو القرب من الله. لكن الإمام النووي كان يترك كثيرًا من الأمور لا لأنها حرام، بل بسبب شدة ورعه واحتياطه في الحلال.
