قضى الإمام النووي سنوات شبابه الأولى في بلدته نَوى، وبقي فيها حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره. كان يقضي بعض وقته في متجر والده، ويصرف بقية وقته في التعلّم على أيدي علماء البلدة. وكانت شهوة العلم متّقدة في قلبه في كل حين.
وفي سنة 649هـ ، وهو في الثامنة عشرة من عمره، قدِم الإمام النووي مع والده إلى دمشق. وكانت دمشق في ذلك العصر مهدًا للعلم؛ عامرةً بالفقهاء والشعراء والأدباء، يقصدها الطلاب من مختلف البلاد لطلب المعرفة. فلما وصل إليها النووي انفتحت عيناه وقلبه على آفاق واسعة من العلم، ورأى أنّها المكان الأمثل للغوص في بحر المعرفة.
وكان أول ما قصده عند وصوله الجامع الأموي الكبير في دمشق، إذ جرت عادة الغرباء أن يتصلوا بالمساجد الكبرى عند قدومهم إلى بلد جديد، فقد كانت المساجد آنذاك جامعاتٍ علميةً وملاجئ للطلاب.
وفي الجامع الأموي التقى أوّل مرة بخطيب المسجد جمال الدين عبد الكافي بن عبد الملك. وكان عالمًا بارعًا، وقد كان في السابق قاضيًا ثم ترك منصب القضاء واكتفى بخطابة المسجد. تقدم إليه النووي وأخبره بهدفه في طلب العلم، وسأله: إلى من ينبغي أن يتوجه؟ ومن هم العلماء الذين يدرس عليهم؟
وقد أدرك الشيخ جمال الدين منذ اللحظة الأولى شغف النووي بالعلم، فأرشده إلى مفتي الشام تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري، المعروف بلقب الفركاح. الذي كان يوصف بـ "مفتي الشام" وأحد أعمدة المذهب الشافعي في زمانه. فسارع النووي إلى لقائه، وعرّفه بغايته في طلب العلم، فرحّب به المفتي ترحيبًا حسنًا، وبدأ النووي دراسته عنده بجدٍّ واجتهاد، لا يضيّع لحظة من وقته.
مشكلة السكن
ومع أن دراسته عند المفتي كانت تسير على خير وجه، إلا أنّ هناك مشكلة صغيرة: لم يكن لديه مكان يقيم فيه إقامةً مستقرّة. وكان هذا الأمر يسبّب له مشقة ويضيع شيئًا من وقته، لأنه كان يرى أن الطالب يحتاج إلى بيئة مستقرّة ليجمع ذهنه على الدراسة. فذهب إلى الشيخ الفركاح يسأله عن مكان يقيم فيه. لكن المدارس المعروفة في ذلك الوقت لم يكن فيها مكان شاغر، إلا مدرسة السارمية، وكانت غرفها ممتلئة.
وأخيرًا دلّه الشيخ على المدرسة المعروفة باسم الرواحية، وكان رئيسها الشيخ كمال إسحاق المغربي. وكانت مكانًا مناسبًا للإقامة والدراسة. ذهب النووي إليها، وقابل مديرها، فاستقبله وأذن له بالإقامة، وأعطاه غرفة صغيرة جميلة.
حياة الزهد في الرواحية
ومنذ ذلك الوقت أصبحت تلك الغرفة عالمَه كلّه، بل بقيت كذلك حتى نهاية حياته تقريبًا. وكان للنووي سبب واضح في محبته لهذه المدرسة، كما يذكر عبد الله اليافعي: ذلك أن أموال المدرسة كانت متحقَّقًا من حلِّها؛ إذ بناها جماعة من التجار الصالحين.
وكانت المدرسة تضم مطبخًا للطلاب، فكان النووي يأخذ نصيبه من الطعام، لكنّه كثيرًا ما يتصدّق بجزء منه. وكان طعامُه بسيطًا للغاية؛ بضع أرغفة من الحبوب المزروعة للطلاب. أما بقية الامتيازات التي كانت تقدّم للطلاب فقد تنازل عنها بنفسه.
رحلة الحج
وبعد سنتين من قدومه إلى دمشق أتيح للإمام النووي أن يؤدي الحج، وكان ذلك سنة 651هـ، وسافر مع والده. وقد ذكر النووي نفسه: خرجنا في أوائل شهر رجب، وأقمت في المدينة المنورة نحو شهرٍ ونصف.أما والده فقد نقل عنه علاء الدين ابن العطار قوله:لما خرجنا للحجّ أصاب النووي حمى شديدة استمرّت معه إلى يوم عرفة، ومع ذلك لم يظهر منه تذمّر ولا شكوى.
مرحلة الانقطاع للتعلم
وقد أديا مناسك الحج ثم عادا إلى بلدتهم نَوى، وبعد ذلك رجع النووي إلى دمشق ليواصل دراسته. ومنذ ذلك الحين انصرف الإمام النووي انصرافًا كاملًا إلى طلب العلم والعبادة. وكان ملازمًا للصوم، شديد الزهد في الدنيا، حتى بدا كأنه يسير على خطى شيخه الروحي ياسين المراكشي.
وكان للحج أثر كبير في نفسه، فكأنه عاد منه بعزم جديد وشوق متجدّد إلى العلم، وربما نال من بركات الحرمين الشريفين ما زاد همته. وقد قال النووي عن تلك الفترة: مكثت سنتين لا أضع جنبي على الأرض للنوم. فكان يدرس ليلًا ونهارًا، وإذا غلبه النعاس أراح رأسه قليلًا على كتبه، ثم ينتبه سريعًا ويعود إلى القراءة.
ويذكر الإمام الذهبي أن النووي أصبح في ذلك الوقت مثالًا يُحتذى في الاجتهاد في طلب العلم. وكان الإمام النووي يقول: إن الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات، وأولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات وَأَكْرَمِ مَا خُصَّتْ بِهِ الْهِمَمُ الْعَالِيَاتُ، وَأَوْلَى مَا جَدَّ فِيهِ أُولُو الْقُدْرَةِ وَالْبَصِيرَاتِ.
وسرعان ما بلغ النووي مراتب عالية في العلم. ففي سنة واحدة فقط من وصوله إلى دمشق حفظ كتاب التنبيه للإمام أبو إسحاق الشيرازي، وقد أتمّ حفظه في أربعة أشهر ونصف.ثم حفظ بعد ذلك قسم العبادات من كتاب المهذّب في بقية السنة.
وفي سنة 650هـ عرض ما حفظه من كتاب التنبيه على الشيخ ابن رزين، فاستمع إليه من حفظه وكتب له وثيقة تثبت ذلك، وما زالت هذه الوثيقة معروفة بين العلماء.
