يروي الإمام يحيى بن شرف النووي حادثة وقعت له عندما كان مقيمًا في المدرسة الرواحية في دمشق، فيقول: كنت مريضًا في تلك الأيام، وكان والدي وإخوتي وبعض أقاربي عندي. وبعد أيام شعرت ليلةً بشيء من الراحة، فاستيقظتُ من نومي، وكان الجميع نائمين. فخطر ببالي أن أشتغل بذكر الله قليلًا.
يقول الإمام: بدأت أسبّح الله وأذكره بصوت معتدل، ليس مرتفعًا جدًا ولا خافتًا جدًا، حتى لا أوقظ النائمين. وبينما كنتُ كذلك، إذا برجلٍ يظهر أمامي! ففزعتُ قليلًا. كان شيخًا حسنَ الهيئة، جميلَ المنظر. توضأ عند طرف بركة قريبة، وكان الوقت قريبًا من منتصف الليل، ثم جاء إليّ وقال: يا بنيّ، لا ترفع صوتك بهذا الذكر، فإنّ أباك وإخوتَك وسائر مَن في المدرسة نائمون، وقد يتأذّون من ذلك.
يقول الإمام: في الحقيقة لم يكن صوتي مرتفعًا يؤذيهم. فسألته: من أنت؟ فقال: اعتبرني ناصحًا لك. عند ذلك – كما يروي الإمام – ساوره شكّ في الأمر، فقال في نفسه: لعلّ هذا إبليس، فإنّه قد يتمثّل في صورة حسنة ليُصرف الإنسان عن الأعمال الصالحة. فبادر إلى الاستعاذة قائلاً: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
ثم رفع صوته بالتسبيح والذكر، فاختفى الرجل واتّجه نحو زاوية من زوايا المدرسة. وقد استيقظ والده ومن معه بسبب الصوت، فخرج الإمام ليتفقّد المكان، فلم يجد أحدًا. فلما سأل والدَه عمّا حدث، أخبرهم بالقصة، فجلسوا جميعًا يذكرون الله.
الكرامات
يذكر العلماء أنّ الإمام النووي عندما بلغ درجات عالية في التصوف والزهد ظهرت له بعض الكرامات. والكرامة – كما يذكر العلماء – هي أمر خارق للعادة يجريه الله على يد أحد أوليائه تكريمًا له، وهي حقيقة أقرّها القرآن والسنة، وتناقلتها تجارب الصالحين عبر القرون. وقد ذكر بعض العلماء، مثل محمد بن الحسن اللخمي، أنّ للإمام النووي كرامات متعددة، منها: سماع أصوات غير مألوفة ، انفتاح بعض الأبواب المغلقة دون سبب ظاهر، رؤى روحية أو إلهامات في بعض الأحيان ، معرفته ببعض الأمور قبل وقوعها. ومنها أنه أخبر قبل وفاته أنّه سيموت في دمشق.
ومن القصص المشهورة أنه كان يُرى أحيانًا ثعبان كبير في غرفته في المدرسة الرواحية. وقد رآه بعض الطلاب في حالات نادرة. ويروي أحدهم أنّه رأى الإمامَ النووي مرةً يضع قليلًا من الحبوب أمامه كأنه يُطعمه، فخاف الطالب من ذلك. فلما سأله عن الأمر قال له الإمام بهدوء: هذا أيضًا من خلق الله، لا يؤذينا ولا ينفعنا. ولكنّي أسألك بالله أن تكتم ما رأيتَ، ولا تخبر به أحدًا.
ويروي الشيخ ولي الدين أبو الحسن علي تجربة شخصية له مع الإمام النووي، فيقول: أصبت بمرض شديد في قدمي، وهو مرض يشبه النقرس، وكان الألم شديدًا جدًا. فجاء الإمام النووي لزيارتي، وجلس عندي يتحدث معي طويلًا عن الصبر والرضا بقضاء الله.
ويقول: وبينما كان يتحدث، شعرت أن الألم بدأ يخفِ شيئًا فشيئًا، حتى زال تمامًا عند انتهاء الحديث. وقد كنتُ قبل ذلك أتلوّى من شدة الألم. فكان يرى أن في ذلك بركة دعائه وصحبته.
ويروي أحد الصالحين، وهو عبد القاسم بن عمير الموسي، قصة عجيبة، يقول فيها: كنت نائمًا ليلةً، فرأيت في المنام ضجّةً كأنها احتفال عظيم. فسألت: ما هذا؟ فقيل لي: الليلة نُصِّبَ يحيى النووي قطبًا من أقطاب الأولياء. يقول: استيقظت من نومي متعجبًا، ولم أكن أعرف الإمام النووي من قبل. وبعد مدة سافرتُ إلى دمشق، فقيل لي إنّ رئيس دار الحديث الأشرفية هو الإمام النووي.
فلما دخل عليه في مجلسه بين طلابه حتى قام من مكانه، وأخذني جانبًا، وقال قبل أن أتكلم: اكتم ما رأيت، ولا تخبر به أحدًا. ثم عاد إلى مجلسه دون أن يتحدث في الأمر مرة أخرى.
ويروي شمس الدين ابن نقيب أنّه جاء إلى الإمام النووي وهو صغير السن، فقال له الإمام عند رؤيته: مرحبا أيها القاضي! فنظر حوله متعجبًا، فلم ير أحدًا غيره. ثم قال له الإمام مرة أخرى: اجلس يا مدرس الشامية. يقول: تعجّبت من كلامه، لكن بعد سنوات تحقّق الأمر؛ فقد تولّيتُ منصب القاضي، ثم أصبحتُ مدرسًا في المدرسة الشامية.
كان الإمام النووي يحب الصالحين ويعظمهم كثيرًا. ويقول تلميذه علاء الدين ابن العطار: كان شيخنا إذا ذكر الأولياء والصالحين ذكرهم بأعظم الاحترام والتبجيل. وقد رُوي أن بعض الناس رأوه في المنام بعد وفاته وسألوه مسائل علمية فأجابهم عنها.
ومن ذلك ما رواه أشرف البارزي، قال: رأيت الإمام النووي في المنام سنة 713هـ، فسألته عن حكم صيام الدهر كلّه. فقال: في هذه المسألة اثنا عشر قولًا للعلماء. فلما استيقظ بحثَ في الكتب، فلم يجد الأقوال مجتمعة في كتاب واحد، لكنّه بعد بحثٍ طويل في كتب كثيرة جمعها فعلًا، وقد استغرق ذلك عامًا كاملًا. عاش الإمام النووي بحرًا عميقًا، ليس في العلم وحده، بل في الحياة الروحية أيضًا؛ بحرًا من المعرفة والصفاء والإخلاص.
