خدم الإمام يحيى بن شرف النووي في عدد من المدارس العلمية المشهورة أستاذًا ومربيًا للطلاب. ومن أبرز هذه المدارس المدرسة الرواحية، وقد أقام فيها حتى وفاته. ومن المؤسسات العلمية التي درّس فيها أيضًا المدرسة الإقبالية، وهي مدرسة كبيرة اشتهرت بتدريس الفقه الشافعي. وقد تولّى التدريس فيها كبار العلماء، ومنهم المؤرخ الشهير ابن خلكان. وقد خلف الإمام النووي ابن خلكان في التدريس بهذه المدرسة، واستمرّ في عمله فيها إلى سنة 669هـ.
ومن أبرز المعاهد التي شهدت نشاطه العلمي دار الحديث الأشرفية في دمشق، وهي من أشهر مدارس الحديث في بلاد الشام. وقد أنشأها السلطان الأشرف مظفر الدين، واستغرق بناؤها نحو عامين حتى اكتمل. كانت هذه الدار مقصدًا لكبار العلماء، وقد خصّص لها السلطان أوقافًا كثيرة، ممّا جعلها في غنى عن الضائقة المالية. ومن شروط الوقف أن يكون رئيسها من أبرز علماء الحديث.
وقد تولّى الإمام النووي التدريس فيها حتى وفاته سنة 676هـ. ولم يقبل منصب رئاستها إلا بعد إلحاح شديد من العلماء، ومع ذلك لم يكن يأخذ منها أيّ راتب أو منفعة. وفي عهد الإمام النووي ازدهرت هذه المؤسسة العلمية ازدهارًا كبيرًا، وقد أشار إلى ذلك المؤرخ قطب الدين اليونيني بقوله: ونشر بها النووي علماً جماً، وأفاد الطلبة، وقال: والذي أظهره وقدّمه على أقرانه ومَن هو أفقه منه؛ كثرةُ زهده في الدنيا، وعظمُ ديانته وورعُه، وليس فيمن اشتغل عليه من يلتحق به. وكان تدريس كتابي صحيح البخاري وصحيح مسلم من أشهر الدروس التي تُعقد فيها.
ويذكر تلميذه علاء الدين ابن العطار قائلاً: كنت أحضر أكثر دروسه، وقد كتبت عنه ملاحظات كثيرة في موضوعات متعددة. وقال المؤرخ تاج الدين السبكي: لم يخدم دار الحديث الأشرفية عالمٌ أعلم من الإمام النووي، ولم يأخذ منها درهمًا واحدًا أجرةً.
مناظراته العلمية
كان الإمام النووي يشارك أحيانًا في الحوارات العلمية الرصينة القائمة على الدليل. وقد وقع له مرّة أن خالف شيخه تاج الفزاري في مسألة فقهية تتعلّق بأحكام الغنائم. وقد قدّم الإمام النووي في تلك المسألة أدلّة قوية مبنيّة على النصوص الشرعية، حتى أصبح من الصعب ردّ رأيه. ومع ذلك كان يحرص على حفظ مكانة شيوخه وتعظيمهم، فكانت هذه المناقشات العلمية سببًا في نمو المعرفة وتوسّعها.
علمه وعمله
لم يكن الإمام النووي عالمًا يقتصر على الدراسة والتدريس فحسب، بل كان يطبّق ما تعلّمه في حياته بدقة كاملة. فقد كان يرى أن طلب العلم ونشره أعظم العبادات، وكان يؤكد أنّ معرفة الأحكام الشرعية هي السبيل إلى اجتناب الحرام.
ومع ذلك كان كثير الاشتغال بالعبادات. وقد ذُكر في كتاب بدر السافر أنه كان من أكثر الناس عبادة. ويقول تلميذه علاء الدين ابن العطار: كان شيخنا كثير الذكر لله، كثير التلاوة للقرآن، زاهدًا في الدنيا، مقبلاً على الآخرة.
يروي أحد العلماء – وهو أبو عبد الله الدمشقي – قصة مؤثرة فيقول: دخلت المسجد في الجامع الأموي في آخر الليل، فرأيت رجلاً في الظلام متوجهًا إلى أحد الأعمدة يصلّي، ويكرّر آية من القرآن مرّة بعد مرّة، بصوتٍ مليءٍ بالخضوع والتأثر. وكانت الآية التي يكررها: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ يقول الراوي: نظرت متأملاً لأعرف من هو، فإذا به الإمام النووي.
زهده وعبادته
وقال المؤرخ ابن كثير عن الإمام النووي: كان كثير الصيام، حتى كأنه يصوم الدهر كله. وكان يقضي أكثر ليله في تلاوة القرآن والتأليف والعبادة، حتى كان ينام قليلاً جدًا. وكان الإمام النووي رجلا اجتمع في شخصيته العلم الغزير، والعمل الصالح، والزهد في الدنيا، فكان مثالاً للعالم الذي يحيي العلم في نفسه وفي الناس.
