كان الإمام تاج الدين السبكي من أعظم المعجبين بالإمام يحيى بن شرف النووي. وهو ابن وتلميذ للشيخ تقيّ الدين السبكي. يقول تاج الدين السبكي معبرًا عن مكانة الإمام في قلوب العلماء: لو طُلب منّي أن أصف الإمام النووي لما احتجتُ إلا إلى بيتين من الشعر أنشدهما والدي تقيّ الدين السبكي.
وقصة ذلك أنّ والده تولّى منصبه في دار الحديث سنة 742هـ. وكان إذا أقبل الليل يتّجه إلى الموضع الذي كان يجلس فيه الإمام النووي للتدريس. وكان في ذلك المكان بساط قديم وُضع منذ زمن مؤسس الدار الملك الأشرف، وعليه اسمه. وهذا البساط هو الموضع الذي كان يجلس عليه الإمام النووي حين يلقي دروسه. فكان تقي الدين السبكي يضع وجهه على ذلك البساط ويقول متأثرًا:
وفي دار الحديث لطيف معنى على بُسط لها أصبو وآوى
عسى أنّى أمسّ بحرّ وجهي مكانا مسّه قدمُ النواوي
ويروي تاج الدين السبكي حادثةً أخرى تدلّ على مقدار توقير والده للإمام النووي. فقد كان تقيّ الدين السبكي يسير يومًا على دابّته، فرأى شيخًا كبيرًا يمشي في الطريق. فأوقف دابّته وسلّم عليه وسأله عن حاله. وخلال الحديث علم السبكي أنّ هذا الرجل رأى الإمام النووي في حياته.
فما إن سمع ذلك حتى نزل السبكي فورًا من دابّته، وأمسك بيد الشيخ وقبّلها احترامًا. وكان الرجل من عامة الناس، فدهش من هذا التصرف. ثم قال له السبكي: أرجو أن تدعو لي. ودعاه بعد ذلك إلى أن يركب خلفه على الدابة. فلما تردّد الشيخ قال له: لا بدّ أن تركب، فكيف أمضي أنا راكبًا وحدي، وبين يدي رجل رأت عيناه الإمام النووي!
من شهادات العلماء
لقد أجمع العلماء في عصره ومن بعده على تعظيم الإمام النووي والإشادة بفضله. يقول تلميذه المقرب ابن العطار: كان شيخي يسير على منهج السلف، فلا يضيع لحظة من عمره؛ فإمّا في طلب العلم، أو في العبادة.
فتارة في التأليف، وتارة في التدريس، وتارة في الصلاة، وتارة في تلاوة القرآن، وتارة في التفكر، وتارة في الدعوة والإرشاد. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم الإخميمي: إن محيي الدين النووي كان يسير على طريق الصحابة، ولا أعرف في زماننا من اقتفى طريقهم مثله.
أما تقي الدين السبكي فكتب يقول: بعد عصر التابعين، لم يجتمع من الفضائل في رجل كما اجتمع في الإمام النووي، ولا نعلم أحدًا نال مثل ما ناله من التوفيق. وقال المؤرخ صارم الدين: لم يكن في زمانه من يماثله في الدين والعمل والزهد والورع.
وصفه الحافظ جلال الدين السيوطي بأنه: محرر المذهب ومهذبه، ومحققه ومرتبه، إمام أهل عصره علماً وعبـادة وسـيد أوانه ورعاً وسيادة.
وقال تاج الدين السبكي رحمه . كان يحيى رحمه االله سـيداً، وحصوراً، وليثاً على النفس هصوراً، وزاهداً لم يبال بخراب الدنيا إذا صير دينـه ربعاً معموراً، له الزهد والقناعة ومتابعة السالفين من أهـل الـسنة والجماعـة، والمصابرة على أنواع الخير، لا يصرف ساعة في غير طاعة، هذا مع التفنن في أصناف العلوم فقهاً ومتون أحاديث، وأسماء رجال، ولغة، وتصريفاً وغير ذلـك.
وقال عنه الإمام الذهبي: لازم الاشتغال والتصنيف محتسباً في ذلك مبتغياً وجه االله تعالى مع التعبـد والـصوم والتهجد والذكر والأوراد، وحفظ الجوارح وذم النفس والصبر على العيش الخشن ملازمة كلية لا مزيد عليها. قال: وكان مع ملازمته التامة للعلم، ومواظبته لدقائق العمل، وتزكية النفس من شوائب الهوى وسيئ الأخلاق ومحقها من أغراضها، عارفاً بالحـديث قائمـاً على أكثر فنونه، عارفاً برجاله، رأساً في نقل المذهب، متضلعاً من علوم الإسلام.
وقال الشيخ ابن فرحون: لقد جمع الإمام النووي ثلاث مراتب عظيمة؛ ولو نال الإنسان واحدة منها لشدّت إليه الرحال من أقصى الأرض: العلم مع العمل به والزهد الكامل في الدنيا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ومع ذلك فإن الكلام عن الإمام النووي لا يمكن أن يُستوعَب في صفحات. ولعل أصدق ما قيل في وصفه ما قاله تلميذه ابن العطار: لقد رأيت من أحوال شيخي أمورًا كثيرة، ولو أردت تدوينها لما كفت لها مجلدات كثيرة.
