وُلِد الإمام النووي سنة 631هـ في شهر محرم، في منتصفه تقريبًا. وكان ذلك في أواخر عهد الدولة الأيوبية، وفي زمن السلطان الملك الظاهر بيبرس. وكانت تلك الحقبة زمن اضطرابات، إذ شهدت بلاد المسلمين غزوات التتار وهجمات الصليبيين، ومع ذلك ظلّ في بعض جوانبها قدر من السكينة والازدهار العلمي.
وقد كان القرنان السابع والثامن الهجريّان من العصور الزاهرة في تاريخ العلم الإسلامي، إذ ظهر فيهما عدد كبير من كبار العلماء. وعلى الرغم من أنّ الإمام النووي عاش نحو نصف قرن فقط، فإنّ ميادين العلم آنذاك كانت عامرة بالعلماء في مختلف بقاع العالم الإسلامي، مثل ابن الصلاح، والإمام الرافعي، وابن خلكان، ومحيي الدين ابن عربي، وغيرهم من أعلام ذلك العصر. وقد برع العلماء في تلك الفترة في مختلف العلوم: الفقه، والعقيدة، والنحو، والطب، والمنطق، وعلم الفلك، وغيرها من فروع المعرفة، فكانوا ينشرون نور العلم في آفاق العالم الإسلامي.
حادثة في طفولته
نشأ الإمام النووي في كنف والده، وكان والده رجلًا صالحًا ذا حال روحيّ خاص، مما وفر للطفل بيئة طاهرة مباركة نشأ فيها.وقعت له حادثة وهو في السابعة من عمره، كانت كأنها إشارة إلى ما ادّخره الله له من شأن عظيم في العلم. كانت ليلة السابع والعشرين من رمضان. وكان الصبي «يحيى» نائمًا بجوار أبيه في هدوء. وبعد منتصف الليل بقليل أيقظ الطفلُ أباه وقال له: يا أبي، ما هذا النور الذي يملأ البيت كله؟ فاستيقظ أهل البيت جميعًا، لكنّهم لم يروا شيئًا. فقال الأب في نفسه: لعل هذه الليلة هي ليلة القدر.
ومن المعلوم أنّ ليلة السابع والعشرين من رمضان من أكثر الليالي التي يُرجى أن تكون ليلة القدر؛ تلك الليلة التي وصفها القرآن بأنّها خير من ألف شهر، وقد يظهر نورها لبعض الصالحين على سبيل الكرامة. وكأن ذلك النور قد أشرق في قلب الصبيّ «يحيى» منذ صغره.
بداية تعلّمه
كان والده أوّلَ معلم له، ثم التحق بالمدرسة ليتعلّم القرآن الكريم. ولمّا بلغ العاشرة من عمره جعله والده يعمل في متجره، ومع ذلك لم يكن هذا العمل عائقًا أمام استمرار دراسته للقرآن. وفي سنة 640هـ كان الصبيان يلعبون، وكان رفاقه يلحّون على يحيى ليشاركهم اللعب. لكن كلّما اشتدّ إلحاحهم كان يبكي وينصرف عنهم، ثمّ يجلس وحده ويقرأ القرآن الكريم.
وفي ذلك الوقت مرّ بهم أحد كبار شيوخ التصوف، وهو ياسين بن يوسف المراكشي، فرأى هذا المشهد، فاستوقفه. فاتّجه إلى معلّم الصبيّ وقال له وصيةً: اعتنِ بهذا الطفل جيدًا؛ يُرجى أن يكون هذا الولد أعلم أهل زمانه وأزهدهم، وينتفع الناس به .
لكن المعلم أجابه بنوع من السخرية وقال:هل أنت منجّم؟ إذ لم يكن يعرف الشيخ المراكشي. غير أنّ الشيخ أجابه بهدوء:لا، ولكن الله هو الذي أنطقني بهذا.
ثم أخبر والدُ الصبيّ بما قاله، فازداد اهتمام الأب بتعليم ابنه، وحرص على أن يتمّ حفظ القرآن الكريم. وبالفعل، لما بلغ سنّ البلوغ كان الإمام النووي قد أتم حفظ القرآن.
ولم يخطئ حدس الشيخ المراكشي؛ فقد كان ينظر بعين البصيرة، إذ إنّ اكتشاف المواهب العظيمة لا يقدر عليه إلا أصحاب البصائر
