لم تكن حياة الإمام يحيى بن شرف النووي مقتصرة على التدريس والعبادة فحسب، بل كان يرى أن الوقوف إلى جانب الناس في أوقات الشدّة نوع من العبادة كذلك. فكان يعتقد أنّ من واجب العلماء أن يدافعوا عن المظلومين، وأن يحموا عامّة الناس من ظلم الحكّام وتعسّف أصحاب السلطة، وأن يسعوا لإقامة العدل بينهم. ولهذا لم يتردّد الإمام النووي في مواجهة الظلم متى ظهر، وكان يقف في وجهه بثباتٍ وشجاعة.
ومما كتبه الإمام النووي إلى السلطان حينما حارب التتار وأزالهم عن البلاد، إذ ذهب السلطان إلى دمشق فقال له وكيل بيت المال في دمشق: إنّ هذه الأملاك ومعظم الأراضي التي تحت أيدي الناس إنما هي ملك للدولة، وهي وقف عليها، وأما هؤلاء الناس فقد استولوا عليها استيلاء، فأمر السلطان بأن تُحاط هذه الأملاك وتنتزع من هؤلاء الناس، ولا يأخذ أحد منهم ما يدّعيه إلا إذا أثبت ذلك بمكتوب وبأوراق، فحينما فعل ذلك السلطان وأصدر أوامره كتب إليه الإمام النووي. ما ملخصه:
وقد أوجب الله على المكلفين نصيحة السلطان أعز الله أنصاره، ونصيحة عامة المسلمين، ففي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم .
ومن نصيحة السلطان - وفقه الله لطاعته وتولاه بكرامته- أن يُنهى إليه الأحكام إذا جرت على خلاف قواعد الإسلام، أو على غير ما قرره الشرع، فأنت قد أمرت بنزع هذه الأراضي ممن وضعوا أيديهم عليها، وهذا بخلاف حكم الإسلام، فحينما كان ذلك ونحن نعلم محبتك لشرع الله وجب علينا أن ننصحك وأن نبين لك حكم ما فعلت.
وهؤلاء علماء المسلمين في بلاد السلطان - أعز الله أنصاره - متفقون على هذا، وبيت المال معمور، زاده الله عمارةً وسعة وخيراً وبركة في حياة السلطان، المقرونة بكمال السعادة له والتوفيق والتسديد والظهور على أعداء الدين، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .[ آل عمران:126] إنما يستعان في الجهاد وغيره بالافتقار إلى الله تعالى، واتباع آثَار النبي صلى الله عليه وسلم، وملازمة أحكام الشرع، وجميع ما كتبناه أولاً وثانياً هو النصيحة التي نعتقدها، وندين الله بها، ونسأله الدوام عليها حتى نلقاه.
والسلطان يعلم أنها نصيحة له، وللرعية، وليس فيها ما يلام عليه، ولم نكتب هذا للسلطان إلا لعلمنا بأنه يحب الشرعَ ومتابعةَ أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في الرفق برعيته والشفقة عليهم، وإكرامه لآثار النبي صلى الله عليه وسلم، وكلّ ناصح للسلطان موافق على هذا الذي كتبناه. قال الله تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:88]، وفي الحديث: إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم. وقال صلى الله عليه وسلم: من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، وقال صلى الله عليه وسلم: اللهم من ولّي من أمر المسلمين شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم فاشقق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، وقال صلى الله عليه وسلم: إن المقسطين على منابر من نور على يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا. وقد أنعم الله علينا وعلى سائر المسلمين بالسلطان أعز الله أنصاره، فقد أقامه لنصرة الدين والذب عن المسلمين.
ثم قال: وأمّا تهديد الرعية بسبب نصيحتنا، وتهديد طائفة العلماء فليس هو المرجوّ من عدل السلطان وحلمه، وأي حيلة لضعفاء المسلمين المفرقين في أقطار ولاية السلطان في كتاب كتبه بعض المسلمين الناصحين نصيحة للسلطان ولهم، ولا علم لهم به؟
ثم قال: فلا يضرّني التهديد ولا أكثر منه، ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان، فإنّي أعتقد أنّ هذا واجب عليّ وعلى غيري من أهل العلم، وما ترتّب على الواجب فهو خير وزيادة عند الله قال تعالى: إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ. [غافر:39]، وقال تعالى: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر:44]، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول بالحق حيثما كنا، وألا نخاف في الله لومة لائم، ونحن نحب للسلطان معالي الأمور وأكمل الأحوال، وما ينفعه في آخرته ودنياه، ويكون سبباً لدوام الخيرات له، ويبقي ذكره له على ممر الأيام، ويخلد في سننه الحسنة ويجد نفعه. قال تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا [آل عمران:30]
وقد ذكر شمس الدين الذهبي أن الإمام النووي كان فريدًا في جرأته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلم يكن يخشى في قول الحق لوم أحد، ولم يكن يخاف من سلطان أو صاحب نفوذ. فكان يقول كلمة الحق أمام العلماء والحكام والملوك دون تردّد.
ولهذا يعدّ هذا الموقف من الصفحات المشرقة في سيرته. كما ذكر المؤرخ قطب الدين اليونيني أن الإمام النووي وقف مرارًا أمام السلطان الظاهر بيبرس مطالبًا بالعدل، ومدافعًا عن حقوق الناس. فجمع الإمام النووي بين العلم والعبادة والشجاعة في نصرة الحق، فكان مثالًا للعالم الذي لا يكتفي بالتعليم، بل يحمل همَّ الأمة ويدافع عن المظلومين.
