بينما كان الإمام النووي يتربع على عرش الإمامة في الدين كواحد من أفذاذ الزمان، كان التواضع والزهد حليته التي لا تفارقه. من رآه لأول مرّة، لم يكن ليميّزه عن عامّة الناس؛ حتّى إنّ بعضهم كان يحسبه فلاحاً بسيطاً قدِم من قرية "نوى" لزيارة دمشق، فقد كان شاحب اللباس، بعيداً عن أبّهة العلماء ورسمياتهم.
كان الإمام أسمر اللون، تكتسي وجهه هيبة ووقار، لحيته سوداء كساها الشيب في مواضع يسيرة. كان قليل الضحك، جاد السمت، لا يعرف للهو طريقاً. مشيته سكينة، وجلسته في مجالس العلم وقار، يرتدي عمامة صغيرة وثوباً من الخام الخشن، ولم يكن يلبس إلا ما ترسل به أمّه من قمصان طويلة جواخ.
أما طعامه، فكان آية في الورع؛ إذ كان يقتصر على وجبة واحدة في اليوم بعد صلاة العشاء، ولا يأكل إلا ما يأتيه به والده من "نوى"، تحرياً للحلال المحض. وكان لا يشرب الماء إلا عند السحر، ولم يكن يقرب الفواكه أو المستلذات إلا نادراً، حين يأتيه والده بـ كعك يابس أو تين حوراني. وكان يكره الترف، فلا يشرب الماء المبرد، ولا يجمع بين صنفين من الطعام؛ بل يقنع بالخبز مع الزيت، أو الخلّ، أو دبس العنب، ولم يكن يأكل اللحم إلا مرة في الشهر عند زيارته لأهله في نوى.
يروي تلميذه الوفيّ ابن العطار: أتاه يوماً أحد الأصحاب بـ قثاء ليطعمه إياها، فأبى الإمام. ولما سُئل عن السبب، قال: أخاف أن ترطب جوفي فأستسلم للنوم! وكان أهل دمشق يفتنون بالرطب والفاكهة، أما هو فكان يعزف عنها بورعٍ خاص به. وعُرف عنه أنه لم يكن يجمع بين إدامين قط، إلا ما رواه الشيخ برهان الدين الإسكندراني قال: دخلتُ على الإمام في رمضان وكان عنده جمعٌ من الناس، فلما حان وقت الإفطار قُدّم الطعام، فرأيته يومئذٍ يجمع بين صنفين، ولم أره فعلها قبله ولا بعده.
ويحكي سليمان الصرعي تجربة أخرى: دخلتُ عليه يوماً وهو يأكل (الخزيرة) - وهي طعام بسيط من دقيق ولبن أو ماء- فدعاني للأكل فاستحييت. فقام أخوه إلى السوق وجاء بحلوى ولحم مشوِيّ ، وقدمه إليّ، فامتنع الإمام عن الأكل منه، فسأله أخوه: أهو حرام؟ فقال الإمام: ليس بحرام، ولكنه طعام المترفين وأنا لا أريده.
العزوف عن الدنيا والانقطاع للعلم
لم يتزوج الإمام النووي قط، ولعل شعوره بعظمة مسؤولية الزواج وواجباته هو ما صرفه عنه، فقد استغرق جُلّ وقته في بحور العلم. كان قليل النوم جداً، فإذا غلبه النعاس استند بظهره إلى الجدار برهة، ثم يهبّ فزعاً كمن سُرق منه أغلى ما يملك، ليعود إلى كتبه ومحبرته.
ويُروى في أيام طلبه الأولى قصة تعكس براءته وانقطاعه التامّ عن مشاغل الدنيا؛ إذ مرّ بمسألة التقاء الختانين الموجبة للغسل، فلم يدرك معناها لصغر سنّه وتصون مجتمعه، وحسب أنّ الأمر يتعلق برياح البطن أو مغصّ الجوف، فكان كلّما أصابه ذلك ذهب واغتسل حتى أجهده البرد والمرض، ولم يدرك حقيقة المسألة إلا بعد حين، فصارت قصته فكاهة بين أقرانه يضحكون منها لشدّة حيائه وانشغاله بغير شؤون الدنيا.
شعره وما تمثل به: ومن قرأ سيرة النووي لا يفترض فيه أن يكون شاعراً. أو على الأقل أن ينظم البيتين أو الثلاثة، فقد تكثفت حياته وامتلأت امتلاء لا مزيد عليه بجد الجد ولب اللب، ولكن السخاوي قال: وقيل أنه سمع من الشيخ الشعر قرب وفاته ، ووجد في موضع آخر نسبتها إليه، وأنه ليس له نظم غيره :
بشائر قلبي في قدومي عليهم ويا لسروري يوم سيري إليهم
وفي رحلتي يصفو مقامي وحبذا مقام به حطّ الرحال إليهم
ولا زاد لي إلا يقيني بأنّهم لهم كرم يغني الوفود عليهم
ووجد بخطّه أبيات متفرقة ظنّها بعضهم أنّها من شعره، والأشبه أن يكون ذلك ممّا تمثّل به وليس من نظمه، من ذلك أنّه وجد بحاشية نسخة من الروضة من الشعر قوله أو قول غيره :
وأنت الذي أرجوك في الأمر كلّه عليك اعتمادي في جميع النوائب
وأنت الذي أدعوك سرّا وجهرة أجرني بلطف من جميع المصائب
وبخط تلميذه العلاء بن العطار أنّه وجد بخطّه أيضا:
أموت ويبقى كلّ ما قد كتبته فياليت من يقرأ كتابي دعا ليا
لعل إلهي أن يمن بلطفه ويرحم تقصيري وسوء فعاليا
في رحاب الإمام الشافعي
من القصص المشهورة في رحلاته النادرة، زيارته لضريح الإمام الشافعي بالقاهرة. دخل المدينة متخفياً، فلما لاحت له قبة ضريح الشافعي، تسمّر في مكانه ولم يتقدم خطوة واحدة. سأله رفاقه: ألا تتقدم يا إمام؟، فأجاب بجملة تفيض هيبة وإجلالاً: لو كان الإمام الشافعي حياً، ورأيتُ خيمته من بعيد، لما تجرأتُ أن أخطو خطوة واحدة نحوه هيبةً له.. فكيف والآن أقف بين يديه؟. وظلّ واقفاً طويلاً ثمّ انصرف عائداً دون أن يشعر به أحد من أهل القاهرة، إجلالاً لمقام الشافعي، فالعظماء لا يموتون في قلوب العظماء.
قضى الإمام النووي في دمشق ثمانية عشر عاماً، لم يغادرها إلا لحجّ أو لهذه الزيارة، معتكفاً في غرفته الصغيرة بالمدرسة الرواحية، يدرُس ويُدرّس، ويؤلّف ويعبد الله، حتّى غدت كتبه منارات هدى تضيء مشارق الأرض ومغاربها.
