كانت أيام الدراسة عند الإمام يحيى بن شرف النووي شديدة الكدّ والاجتهاد. فقد كان يقضي يوميًّا وقتًا لحضور اثنتي عشرة حلقة علمية، وكان ذلك يستغرق نحو اثنتي عشرة ساعة من يومه. ثم يخصّص بقيّة وقته لكتابة الملاحظات والتعليقات ومراجعة ما درسه، حتّى لم يبق له مجال للانشغال بشيء آخر.
وكانت هذه الدروس موزّعة على مختلف فروع المعرفة، مثل:علم الحديث، والفقه، وعلم الجدل والمنطق، وعلوم اللغة، وعلم الاشتقاق، وعلم الرواية، وأصول الفقه، وغيرها من العلوم. وكانت الكتب التي تُدرس في هذه الحلقات من مؤلفات كبار العلماء، ومن أبرزها: كتاب الوسيط، وصحيح مسلم، وكتاب اللمع، وكتاب إصلاح المنطق، وكتاب المنتخب.
شيوخه في العلم
كان للإمام النووي عدد كبير من الشيوخ، وكان يتعلّم كلّ علم على يد المتخصّصين فيه. وكان أبرز ما اعتنى به علم الفقه وعلم الحديث. ففي الفقه درس على عدد من العلماء، منهم: جمال الدين عبد الكافي بن عبد الملك، وتاج الدين عبد الرحمن الفزاري، وإسحاق المغربي، وعبد الرحمن بن نوح. وكان الإمام النووي يذكر شيوخه دائمًا بكثير من الاحترام والتقدير، كما كان يعتني بذكر سلاسلهم العلمية التي تتصل بالإمام محمد بن إدريس الشافعي ثمّ بالنبي ﷺ.
شيوخه في الحديث
أما في علم الحديث فقد تلقى العلمَ عن عدد كبير من المحدثين، ومن أبرزهم: إبراهيم بن عيسى المرادي. وقد قال النووي عنه: صحبته نحو عشر سنين، من سنة إحدى وخمسين إلى أن توفّي رحمه الله، فما رأيتُ منه شيئاً يُنكر، وكان من الصالحين الأبرار، والمحقّقين الأخيار. ودرس الإمام النووي كتاب صحيح مسلم على يد أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى، وكان يعتزّ بسلسلة الإسناد التي تصل به من خلال شيوخه إلى رسول الله ﷺ.
ومن شيوخه في الحديث أيضًا: رضي الدين بن البرهان، وعبد العزيز بن محمد، وعبد الرحمن بن الفرج، وتقي الدين أبو محمد، وغيرهم كثير.
أما علم أصول الفقه فقد أخذه عن عدد من العلماء، ومن أبرزهم القاضي أبو الفتح عمر بن بندار، حيث درس عليه كتاب المنتخب للإمام فخر الدين الرازي، كما قرأ عنده أجزاء من كتاب المستصفى للإمام أبو حامد الغزالي. وأما في علم النحو فكان من أبرز شيوخه،أحمد بن سالم المصري.
منهجه في التعلم
لم يكن تعلّم الإمام النووي مجرّد قراءة عابرة للكتب، بل كان تعلّمًا تحقيقيًا بحثيًا؛ فقد كان يكتب التعليقات، ويشرح العبارات، ويحلّل المسائل، حتى تصبح واضحة ودقيقة. وكانت كلّ العلوم التي تصل إلى يديه تتجدد وتزداد وضوحًا، حتى إنه كان يعيد ترتيب بعض الكتب ويهذّبها لتكون أسهل فهمًا للطلاب. يقول الإمام النووي عن تلك المرحلة: وجعلتُ أشرح كلّ ما يتعلّق بالدرس من ضبط لغة، وتصحيح عبارة، واستنباط أحكام، وأعانني الله بفضله على إيضاح المشكلات، وضبط المهمّات.هكذا أصبحت حياة الإمام النووي كلُّها دائرة حول العلم :فكان العلم حياته، وكانت حياته كلها للعلم.
