عادت السلطة من جديد لتتخذ خطوات جائرة تمسّ حقوق الرعية، فاستشاط الإمام النووي غضباً غيرةً على الدين والناس، وهبّ يحشد العلماء ويؤلف القلوب لصدّ هذا الظلم والوقوف في وجهه. بلغت الأنباء الملك (الظاهر بيبرس)، فاستشاط غيظاً، وأرسل إلى الإمام رسالة وعيدٍ يرهبه فيها متسائلاً بلهجة الإنكار: أأنت من يجمع العلماء ويحرضهم؟، ولم يكتفِ بذلك بل هدّد بعزله من مشيخة دار الحديث.
كان ردّ النووي صارما كحدّ السيف، فأرسل للملك كتاباً مطوّلاً تضمن الحقائق الصارمة. وحين حاول السلطان الادعاء بأنّ بعض العلماء قد وافقوا على إجراءاته، هدم الإمام حجّته بالدليل القاطع، مؤكداً أن أحداً من علماء المسلمين لن يشذّ عن الإجماع، ومما جاء في رده:
لا يحلّ لك أن تُخيفني، ولا تظنَّ أني سأترك النصيحة للأمة. إنّك اتخذتني عدوّا، وهذا من جهلك، فما حُبّي وغضبي إلا لله وفي الله. أما وعيدك بقطع رزقي، فاعلم أنّي لا آخذ منك شيئاً، وهل أنت الرزّاق؟ وهل تملك ملكوت السماوات والأرض حتى تتحكّم في أرزاق العباد؟
ومضى الإمام في صدعه بالحق قائلاً: اجمع ما شئت من خيلك ورجلك، فوالله لا أبالي ولو قُتلت في سبيل الله لقلت الحمد لله. إنّ من يبتغي مرضاة الله لا ترهبه التهديدات. وإنّي إذ أغلظت لك في القول، فما ذلك إلا طلباً لصلاحك وفلاحك، والعاقبة للمتقين. وقد قال النبي ﷺ: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم.
فاعلم أن هؤلاء هم العلماء. فانزِع عن وعيدك وانشغِل بمصالح الناس وتُب إلى الله، وإلا فإنّ عدل الله سريع، وقد ينزل بك من العقاب ما يجعلك عبرة للغابرين.. والسلام على من اتبع الهدى.
في جانب الرعية في زمن المحنة
لم يكن النووي بمنأى عن هموم العامّة، فحين حلّت ببلاد الشام قحط شديد، وغلت الأسعار وهلكت الماشية، رأى الإمام تقصيرا من الدولة في واجباتها. فجمع كبار العلماء، ومنهم: شيخ الإسلام أبو محمد الحنفي، والشيخ عبد السلام الزواوي المالكي، والشيخ أبو بكر الشيريزي، وابن الأرموي، وخطيب دمشق ومفتيها أبو حامد.
كتب الإمام رسالة بتوقيع هؤلاء الأعلام، بعث بها عبر أمير بعلبك إلى بدر الدين خازندار الظاهري، وكان رجلاً صالحاً يحب العلماء، وجاء في فحواها:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله يحيى النووي.. سلامٌ عليك، جعل الله لك نصيباً من الخير والثبات. أيها الملك، إنّ أهل الشام في ضيق عظيم، فقد قَلّ المطر وارتفعت الأسعار، وهلكت الزروع والأنعام. وتعلم ما يجب على الحاكم من الرفق والرعية، فكن رفيقاً بهم. إنّ هذا الكتاب أمانة من علماء البلد، ولا ينبغي لك ردّه. تذكر يوماً لا ينفع فيه مال ولا بنون، يوم يفرّ المرء من أحبابه، لئلا يكون هذا الكتاب حجة عليك بين يدي الله. إنك تحب الخير، فارحم هذا الشعب.
لم يستجب الملك في البداية، بل كان ردّه فيه ازدراءً للعلماء، فلم يسكت النووي، بل أرسل كتاباً ثانياً أشدّ لهجة، أنكر فيه صرف أموال بيت المال على الحواشي والجيوش والمنح الخاصة، بينما تُرهق الرعية بالضرائب والمكوس، مؤكداً أن هذه الأموال حقّ مشاع للأمة لا يجوز الاستئثار بها تحت ذريعة الجهاد.
إنما كتبنا إليك هذا نصحاً وشفقة، فالحاكم مسؤول عن رعيته، ولا بد له من الوفاء بعهده والرفق بهم، فإن الرفق كان من شيم المصطفى ﷺ.
أما تساؤلك عن عدم خطابنا لملوك الكفار، فبأي حجة نخاطبهم؟ هل آمنوا بشريعتنا أو التزموا بأحكام ديننا؟ ومع ذلك فإنا لا نترك التدخل حيث وجب، ولكن لا يصح لك وأنت حاكم مسلم أن تحتج بفعلهم لتبرر صنيعك.
ولقد علمنا أنك تحاول ترهيب الناس بسبب رسائلنا، فاعلم أنّ ذلك لن يجدي نفعاً، ولن يغيّر من الحق شيئاً. أما وعيدك لي، فوالله لا يضيرني ولا ألقي له بالاً، ولن يمنعني من أداء واجب النصيحة الذي أراه فرضاً لازماً عليَّ.
إنما هذه الدنيا متاع قليل، والآخرة هي دار القرار. وإنّي أفوض أمري إلى الله، إنّه بصير بالعباد. لقد علّمنا نبينا ﷺ أن نقول الحقّ أينما كنّا، وهذا هو عهدنا الذي نؤديه.
إنّنا لا ننكر ما قمتَ به من أعمال صالحة ومساعٍ مشكورة، ونسأل الله أن يدّخر لك ثوابها في الآخرة، ولكننا لو كتمنا عنك هذه النصيحة، لما كانت لنا حجّة نعتذر بها بين يدي الله عز وجل.. والسلام.
الدفاع عن حملة العلم
وحين أصدرت السلطة قراراً يقضي بعدم جواز تدريس المعلم في أكثر من مدرسة، انتفض النووي لهذا القرار الذي يمس أرزاق المدرّسين الفقراء، رغم أنه هو نفسه لم يكن يتقاضى درهماً واحداً مقابل علمه. كتب رسالة للسلطة جاء فيها:
إن من نصيحة ولاة الأمر تبيان الحق. لقد بلغنا ما أُحدث من تغيير في نظام المدرّسين، ومنعهم من التدريس في أكثر من موضع، وهذا يضيق عليهم سبل العيش، وفيهم المحتاج وذو العيال والمتمكّن في فنون شتى. إن هؤلاء ورثة الأنبياء، الذين تضع الملائكة أجنحتها لهم، وتستغفر لهم الحيتان في البحر. والواجب تكريمهم لا التضييق عليهم. يقول النبي ﷺ: اللهم من ولّي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، وقال أيضاً: سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فاستوصوا بهم خيراً.
واستشهد الإمام النووي بموقف الوزير نظام الملك - حين لامه السلطان على كثرة ما ينفقه على الطلاب- فقال الوزير: أيها الملك، إنّما أقيم لك جيشاً سِهامه لا تخطئ، يقاتلون عنك بالدعاء في السحر. فأعجب السلطان بهذا القول وأقرّ ما فعله الوزير، فإنّنا نريد الآن ذاك الموقف الذي أخذتَه في شأن الوزير. وفقك الله لما يحبّ ويرضى. والسلام.
حارس العقيدة في وجه الشطحات
كان الإمام النووي حازماً في إنكار كل ما من شأنه أن يخدش عقائد العامة أو يلبس عليهم دينهم، فكان يقف بالمرصاد لتصرفات بعض أدعياء التصوف والمنتسبين للمسالك الروحية الذين قد تبدر منهم شطحاتٌ تخالف ظاهرَ الشريعة. ولم يكن دافعه في ذلك الخصومة الشخصيّة، بل كان يخشى أن تؤدّي تلك الأفعال - وإن زعم أصحابها أنّ لها باطناً من الحقّ- إلى إفساد إيمان الناس وزلزلة يقينهم.
ومن ذلك ما روي عن شأن الشيخ خضر بن أبي بكر العدوي المهراني، الذي كان يعدّ في عصر النووي مرشداً روحياً ذا صيت واسع، ونُسبت إليه خوارقُ وعلمٌ بالمغيبات، وكان يحظى بحظوة كبيرة وصلة وثيقة عند الملك.
لم يمنع هذا الجاهُ الإمامَ النووي من القيام بواجب النصح، فدخل عليه في صومعته وواجهه بكلمات صدع فيها بالحقّ، حتى نُقل عن الحاضرين أنّ لهجة الإمام كانت حادّة في الإنكار. لم يستسغ الشيخ خضر هذا المسلك من الإمام، فأمر بإخراجه من مجلسه، غير أنّ النووي لم يظهر أيّ وجل أو اضطراب، بل خرج ثابتاً، موقناً بوجاهة ما قال وما فعل؛ فقد كان صلاح المجتمع المسلم وصون شريعته هو المقصد الأسمى والغاية الكبرى التي تعلو عنده فوق كلّ اعتبار.
الإخلاص والوفاء
ختم الإمام حياته كما بدأها، ثابتاً على الحق، رحيماً بالخلق. ويُروى أنّ بعض أقاربه سألوه يوماً: أتنسانا يوم القيامة؟، فأجاب بجواب يفيض رحمة ويقيناً: إن كان لي عند الله جاهٌ وسلطان، فوالله لا أدخل الجنة حتّى أُدخل كلّ من عرفتُه قبلي.
