يروي تلميذ الإمام النووي ابنُ العطار حادثة مؤثّرة من الأيام الأخيرة في حياة شيخه يحيى بن شرف النووي. يقول: وكنت جالسا بين يديه قبل انتقاله بشهرين ونحوها، وإذا بفقير قد دخل عليه، وقال الشيخ: فلان من بلاد صرخد (بلد ملاصق لبلاد حوران من أعمال دمشق ) يسلّم عليك، وأرسل معي هذا الإبريق لك. فقبله الشيخ، وأمرني بوضعه في بيت حوائجه، فتعجّبت منه لقبوله، فشعر بتعجّبي، فقال: أرسلَ إليّ بعض الفقراء نعلا، وهذا إبريق، فهذه ألة السفر.
ثم بعد أيام يسيرة كنتُ عنده، فقال لي: قد أذن لي في السفر. فقلتُ: كيف أذِن لك؟ قال: بينا أنا جالس هنا -يعني بيته في المدرسة الرواحية، وقدّامه طاقة مشرفة عليها مستقبل القبلة؛ إذ مرّ عليّ شخص في الهواء من هنا، ومرّ كذا - يشير من غرب المدرسة إلى شرقها-، وقال: قمْ سافرْ لزيارة بيت المقدس.
يقول ابن العطار: وكنتُ حملتُ كلام الشيخ على سفر العادة، فإذا هو السفر الحقيقيّ، ثم قال لي: قم حتّى نودّع أصحابنا وأحبابنا. فخرجتُ معه إلى القبور التي دفن فيها بعض مشايخه، فزارهم، وقرأ شيئا، ودعا، وبكى، ثم زار أصحابه الأحياء؛ كالشيخ يوسف الفقاعي، والشيخ محمد الإخميمي، وشيخنا الشيخ شمس الدين ابن أبي عمر شيخ الحنابلة.
ثم سافر صبيحة ذلك اليوم، وجرى معه وقائع، ورأيتُ منه أمورا تحتمل مجلّدات، فسار إلى نوى، وزار القدس، والخليل عليه السلام، ثم عاد إلى نوى، ومرض عقب زيارته بها في بيت والده، فبلغني مرضه، فذهبتُ من دمشق لعيادته، ففرح رحمه الله بذلك، ثم قال لي: ارجع إلى أهلك. وودّعتُه وقد أشرف على العافية يوم السبت لعشرين من رجب سنة 676هـ.
لما عدت إلى دمشق، رأيت في الليلة رؤيا عجيبة؛ كأنّ صوتًا يخرج من مئذنة الجامع الأموي في دمشق ينادي: الصلاة على الشيخ…وهو النداء الذي يعلن به عن صلاة الجنازة. فصاح الناس لذلك النداء، فاستيقظت فزعًا وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم بقيت أنتظر الخبر في قلق شديد. وفي عشيّة يوم الخميس وصل الخبر الذي هزّ دمشق: لقد توفي الإمام النووي. فنودي يوم الجمعة عقب الصلاة بموته، وصلّي عليه بجامع دمشق، فتأسف المسلمون عليه تأسفا بليغا؛ الخاص والعام، والمادح والذام ورثاه الناس بمراثي كثيرة. وقد كانت وفاته ليلة الأربعاء 24 رجب سنة 676هـ، الموافق ديسمبر 1277م، وكان عمره أربعًا وأربعين سنة فقط. يقول تاج الدين السبكي: عندما توفي الإمام النووي في نوى، ارتجّت دمشق وما حولها بالحزن، وبكى المسلمون عليه بكاء شديدًا، وقضوا أيامًا يحيون الليل بالأعمال الصالحة إهداءً لروحه.
دُفن الإمام في بلدته نوى. وكان يفضّل أن يكون قبره بسيطًا مثل قبور عامة المسلمين، كما كان متواضعًا في حياته. ولذلك لم تُبنَ فوق قبره قبّة كما جرت العادة مع قبور الصالحين. وقد حاول بعض أقاربه وأهل البلدة بناء قبة عليه بعد وفاته، لكن يُروى أنّ إحدى قريباته رأت في المنام الإمام النووي يقول: أخبروا إخوتي ألا ينفذوا ما قرّروا، فإنّهم إن حاولوا بناءها ستهدم. فتركوا الأمر واكتفوا بوضع الحجارة حول القبر لحمايته. ويذكر المؤرخون أن بعض الحكام حاولوا لاحقًا بناء قبة فوق قبره، لكن المحاولات لم تكتمل.
قبل وفاته بقليل أعاد الإمام النووي كل الكتب التي كان قد استعارها لأصحابها. ويروي المؤرخ اللقمي أنه عندما كان الإمام يغادر دمشق متوجهًا إلى نوى، سأله بعض العلماء: متى سنلتقي مرة أخرى؟ فقال: بعد مئتي سنة. وكان يقصد بذلك: يوم القيامة.
عندما وصل خبر وفاته خرج قاضي القضاة عز الدين بن محمد بن صايغ مع جماعة من العلماء من دمشق إلى نوى، وصلوا إلى قبره وصلوا عليه هناك. وقد قيلت في رثائه قصائد كثيرة، بقيت أبياتها شاهدة على عظمة هذا العالم. انتهت حياة الإمام النووي في هذه الدنيا، لكنها في الحقيقة لم تنتهِ؛ لأنّ آثاره العلمية وكتبه ما زالت حية في قلوب العلماء وطلاب العلم إلى اليوم.
