تميّز الإمام يحيى بن شرف النووي بقدرة علمية نادرة؛ إذ برع في عدد كبير من فروع المعرفة في وقت واحد. وكان من أبرز هذه العلوم الفقه وعلم الحديث.
فالفقه – وهو ما يُعرف اصطلاحًا بعلمِ استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها - يحتل مكانة عظيمة في حياة المسلمين؛ إذ به تُعرف أحكام الحلال والحرام، وكيفية المعاملات والعبادات وسائر شؤون الحياة. وقد رُوي عن الصحابي أبو الدرداء قوله: ما نحن لولا كلمات الفقهاء، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل العبادة الفقه. كما نُقل عن عطاء بن أبي رباح أن مجالس العلم التي يُبيَّن فيها الحلال والحرام، وتُشرح فيها أحكام البيع والشراء والزواج وسائر المعاملات، هي في حقيقتها مجالس ذكر لله تعالى.
وقد تقدّم الإمام النووي في هذا العلم تقدمًا كبيرًا، وبذل فيه جهدًا علميًّا وبحثيًّا واسعًا. فمقصد الفقه هو بيان الأحكام الشرعية لما يعرض للإنسان في حياته من وقائع وأحداث، وهو علم ذو مستويات ومراتب. وقد أدّى الإمام النووي رسالته في هذا العلم على أكمل وجه في حدود المنهج الذي سلكه.
وقد اعترف التاريخ بفضله، حتى وصفه العلماء بأنه محرِّر المذهب الشافعي ومنقِّحه. ومن هنا ذاع صيته في الآفاق. قال ابن كثير عنه:هو شيخ المذهب، كما وصفه بأنه أكبر فقهاء عصره.أما شمس الدين الذهبي فقال إنّ الإمام النووي كان في طليعة علماء المذهب الشافعي.
وقد كانت أبحاث الإمام تدور في إطار المذهب الشافعي الذي أسسه الإمام محمد بن إدريس الشافعي. وفي كتاب طبقات الشافعية الكبرى وصف النووي بأنه من أعلام المذهب ونجومه المضيئة. وقال تلميذه المحب علاء الدين ابن العطار:إن أستاذه كان دافع المذهب الشافعي، والشخصية التي وفّقت بين آراء العلماء المختلفة، وبيّنت منهج السلف بوضوح. وكان محققا في علمه وفنونه، مدققا في علمه وكل شؤونه، حافظا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عارفا بأنواعه كلّها.ومع هذا المقام العلمي الرفيع لم يكن الإمام النووي يحب الجدال والمناظرات. فقد ذكر الإمام الذهبي أنه كان إذا جاءه من يريد المناظرة يتجنّب الجدال وينصرف عنه.
وقد نجح الإمام النووي في تقديم الفقه على أساسٍ راسخ من الأدلة الشرعية، ولذلك أصبح لرأيه مكانة مرموقة في كثير من بلاد العالم الإسلامي، حيث يُعتدّ بترجيحاته العلمية ويُقدَّم قوله في مواضع كثيرة.
عنايته بعلم الحديث
أما في علم الحديث فقد كان للإمام النووي اهتمام بالغ، فدرس كتب السنة المشهورة دراسة دقيقة، ومن أبرزها:صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وجامع الترمذي وسنن النسائي والموطأ ومسند الشافعي ومسند أحمد بن حنبل وسنن الدارمي وسنن ابن ماجه وسنن الدارقطني والسنن الكبرى للبيهقي وغيرها من كتب السنة.
وقد تلقّى هذه العلوم بسلاسل إسناد عالية، وكان يعتزّ بذكر أسانيده العلمية التي تصل به إلى النبي ﷺ. وخلال مدة قصيرة أصبح الإمام النووي محدّثًا بارزًا. وقد قال عنه الإمام الذهبي: كان الإمام النووي محققا في علمه وفنونه، مدققا في علمه وشؤونه، حافظا لحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، عارفا بأنواعه من صحيحه وسقيمه وغريب ألفاظ واستنباط فقهه، حافظا للمذهب وقواعده وأصوله، وأقوال الصحابة والتابعين، واختلاف العلماء ووفاقهم، سالكا في ذلك طريقة السلف.
وكان الإمام النووي يصرّح بأهمية هذا العلم، فيقول:إن علم الحديث من أشرف العلوم وأعظمها قدرًا، لما يتصل به من معرفة رواة الحديث وأسانيده وتاريخه.ولم يقتصر اهتمامه على نقل الأحاديث، بل تعمّق في فهم معانيها واستنباط أحكامها، ويتضح ذلك جليًّا في مؤلفاته.
وقد تتلمذ عليه عدد كبير من الطلاب في علم الحديث، ومنهم: ابن أبي الفتح، ويوسف بن عبد الرحمن المزي وغيرهما.وكان يخصص يومين في الأسبوع لدروس خاصة في صحيح البخاري وصحيح مسلم، وهما يوم الثلاثاء والسبت.
منهجه العقدي واللغوي
كان الإمام النووي في العقيدة على منهج الأشاعرة، كما كان أيضًا عالمًا بارعًا في اللغة العربية. وكان يقول: إن اللغة العربية هي لغة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولذلك اعتنى بها كبار العلماء. وأشار إلى أن كبار الصحابة، مثل عائشة بنت أبي بكر وعبد الله بن عباس، كانوا من أفصح الناس وأعلمهم باللغة والشعر العربي. وقد ألّف الإمام النووي مؤلفات خاصة تتعلق بعلوم اللغة.
تجربته مع علم الطب
حاول الإمام النووي أيضًا دراسة علم الطب، ويذكر ذلك بنفسه فيقول: وخطر لي الاشتغال بعلم الطب، فاشتريت القانون (لابن سينا) وعزمت على الاشتغال فيه، فأظلم عليّ قلبي، وبقيتُ أياماً لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكّرت في أمري: من أين دخل عليّ الداخل؟ فألهمني الله أنّ الاشتغال بالطبّ سببه، فبعتُ في الحال الكتابَ المذكور، وأخرجتُ من بيتي كلّ ما يتعلق بعلم الطبّ، فاستنار قلبي ورجع إلي حالي، وعدتُ لما كنت عليه أولاً.
وكان كتاب القانون في الطبّ من أشهر الكتب الطبية في ذلك العصر. ومع ذلك لم يكن الإمام النووي يعارض علم الطبّ من حيث المبدأ؛ فقد قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي:لا أعلم علمًا بعد الحلال والحرام، أنبل من الطب، إلا أن أهل الكتاب قد غلبونا عليه. لكن ربّما كان سبب ترك النووي لهذا العلم أنّ بعض النظريات الطبية في ذلك العصر كانت مختلطة بأفكار فلسفيّة لا يراها مناسبة.
ومع ذلك نجد في كتبه إشارات طبية متعددة، كما في شرحه لحديث النبي ﷺ: إنَّ لكلِّ داءٍ دواءً، فإذا أُصِيب دواءُ الدَّاءِ برَأ بإذنِ اللهِ. وقد شرح هذا الحديث شرحًا مفصلًا في كتابه شرح صحيح مسلم. ومن هذا يتبين أن الإمام النووي لم يترك فرعًا من فروع العلم إلّا وكان له فيه نصيب ومعرفة.
