لعل من أصدق ما تمثّل به الإمام النووي في حياته قوله: يموت الإنسان وتبقى كتابته؛ فاليوم، لا يزال الإمام النووي ماثلاً أمام الدنيا بأسرها، لا بشخصه، بل بعلمه الغزير وتصانيفه التي ملأت الآفاق. لقد كان الإمام عاشقاً للعلم قراءةً وتأليفاً، فبارك الله له في وقته حتى صنّف في عمره القصير ما يعجز عن تصنيفه المعمّرون.
بدأت رحلة الإمام في طلب العلم وهو في الثامنة عشرة من عمره، ولم يمضِ وقت طويل حتى انبرى للتأليف، ويُرجّح أنّ باكورة إنتاجه كانت قرابة عام 660 هـ، واستمرّ قلمُه في العطاء حتى فاضت روحه إلى بارئها. ويمكن القول إنّ العقد الذي قضاه في دمشق كان الحقبة الأكثر توهّجاً وعطاءً في مسيرته العلمية.
لقد صنع النووي في عالم التأليف معجزات؛ فبين التدريس، والقراءة، والإرشاد، والعبادة، كان يجد لقلمه سبيلاً لا ينقطع. ويروى أنّه كان يكتب حتى تكلَّ يدُه وتتعب، فكان يضع القلم جانباً ويتمثل بأبيات من الشعر تعكس إخلاصه ووجهته، كقول الشاعر:
لولا الدموعُ على سعادَ لضُيِّعَت تِلكَ الدموعُ وكنَّ غَيرَ مَضاعِ
وهو يشير بذلك إلى أنّ تعبه وكدّه في التأليف إنّما هو خالصٌ لوجه الله، وما كان لله فهو لا يضيع.
انتشار كتبه
تلقى العالَمُ بأسره كُتبَ النووي بالقبول العظيم، حتى إن الذين ناصبوه العداء أو انتقروه في حياته، عادوا ليمتدحوا آثاره بعد وفاته. ويقول الإمام اليافعي في هذا الصدد: إن الإمام النووي مِمَّن نظر الله إليه بعين العناية بعد موته؛ وما ذلك إلا لما شاع في الأرض من انتشار كتبه وعظم نفعها وقبول الناس لها.
ويرى المؤرخون، بحسبة دقيقة لعدد الصفحات التي خطّها الإمام مقارنة بسنوات عمره، أنه كان يكتب في اليوم الواحد ما يعادل كرّاستين (والكراسة تضم ما بين 8 إلى 16 ورقة)، وهذا معدلٌ مذهل لا يكاد يُصدّق لولا بركة الوقت.
منهج التأليف وسحر البيان
تنوّعت تصانيف الإمام لتشمل شتى العلوم: من الفقه، والحديث وشروحه، ومصطلح الحديث، واللغة، والتراجم، والعقيدة، وصولاً إلى الرقائق والتصوّف. وامتاز أسلوبه بالسهولة والوضوح التام، حتى رُوي أنّ إمام النحو ابن مالك حفظ كتاب المنهاج للنووي إعجاباً ببراعة سبكه وحسن اختصاره للمسائل دون إخلال بمعانيها. ولم تقتصر الثقة بكتبه على الشافعية فحسب، بل أضحت مراجع النووي محل اعتماد لدى سائر المذاهب لشدة تحرّيه، ودقّة استدلاله، وأمانته العلمية، وهي العوامل التي جعلت من كتبه آثاراً خالدة.
محو الصحف للتحرّي
يمكن تقسيم مؤلفات النووي إلى ثلاثة أصناف: ما تمَّ، وما لم يتمّ، وما غسله بيده. فقد كان من شدة ورعه وتحرّيه يغسل الحبر عن بعض الأوراق التي كتبها ليعيد استخدامها، إما لأنه رأى أنّ ما كتبه لم يعد ذا نفع، أو لأسباب لا نعلمها إلا أنّها تنمّ عن دقّة مفرطة.
يقول تلميذه ابن العطار: استدعاني الشيخ يوماً ودفع إليَّ نحواً من ألف كرّاسة بخطّه، وأمرني أن أغسلها وأمحوَ ما فيها، ثمّ أمرني ببيع الورق. فلمّا رأى تردّدي، قال لي بلهجة حازمة: افعل ما أمرتك به وإلا رأيتَ منّي ما يسوؤك، فلم يجدِ الأمر نفعاً إلا الامتثال، ولا يزال وجع ذلك في قلبي حتى الآن.
من أشهر كتبه التي أتمّها:
- شرح صحيح مسلم: وهو شرح موجز مبارك، وقال في مقدمته: لولا خوف الملالة لبسطتُ القول فيه وبلغ مائة مجلد، وقد أتمّه عام 674 هـ.
- روضة الطالبين: وهو اختصار لشرح الرافعي الكبير، ويحكي الشهاب أحمد بن خفاجة الصّفدي رؤيا عجيبة قال فيها: رأيت النبي ﷺ في المنام فسألته: ما تقول في النووي؟ فقال: أصلحُ الناس، فقلت: فما تقول في كتابه الروضة؟ فقال:هي كاسمها، روضة من رياض الجنة . وقد أتمّها يوم الأحد 15 ربيع الأول عام 669 هـ
- المنهاج : ووصفه تقي الدين السبكي بأنه عمدة الفقهاء ومرشدهم، ولا تزال الشروح عليه لا تُحصى كثرة.
- رياض الصالحين: فهو من أشهر كتب الحديث التربوية، وقد جمع فيه الإمام أحاديث النبي ﷺ التي تصلح للوعظ والتربية والخطب والدروس.
- الأذكار: كتاب الأذكار يجمع الأدعية والأذكار الواردة عن النبي ﷺ في مختلف أحوال الحياة اليومية للمسلم.
- التبيان في آداب حملة القرآن: فهو في آداب قراءة القرآن وتعليمه. وقد ذكر الإمام سبب تأليفه فقال إن أهل دمشق كانوا شديدي الاهتمام بتلاوة القرآن، فألف هذا الكتاب لينتفعوا به.
- الأربعون النووية : دراسة في الأحاديث النبوية المختارة
- الإيضاح: كتاب شامل في بيان مسائل الحج والعمرة
- بستان العارفين، مناقب الإمام الشافعي، آداب المفتي والمستفتي. وكلها كتب سيّارة في أيدي العامة والخاصة، كتبها النووي بنية نفع الناس وإرشادهم.
المشاريع التي لم تكتمل:
ومن الكتب التي بدأها الإمام ولم يتمها:
- المجموع شرح المهذب
- تهذيب الأسماء واللغات
- شرح صحيح البخاري
- شرح سنن أبي داود
ترك الإمام خلفه كنوزاً لم يسعفه الأجل لإتمامها، ومن أعظمها المجموع شرح المهذب، وهو الكتاب الذي أبهر العلماء بمنهجه الفقهي المقارن ودقّة مناقشته للمذاهب. أتمّ منه تسعة مجلدات، وبعده حاول تقي الدين السبكي إتمامه، لكنه لم يكتب إلا ثلاثة مجلدات قبل أن تدركه الوفاة.
لقد كان الإمام النووي حقاً ملِكاً في عالم التأليف، صانعاً للتاريخ بقلمه الذي لا تزال مدادُه تنير دروب السالكين إلى اليوم.
