كان السلطانُ الملك الظاهر بيبرس رابعُ سلاطين دولة المماليك. وكان فارسًا هيّابًا، ارتجف لهيبته التتار والصليبيون غيرَ مرّة. وفي إحدى الفترات احتاج إلى تجهيز حملة عسكرية لطرد التتار من بلاد الشام، وكان ذلك يتطلب أموالًا طائلة.
فجلس السلطان يفكّر: ماذا يفعل؟ ولم يلبث أن أصدر أمرًا: يجب جمع علماء البلاد فورًا، والحصول منهم على فتوى موقَّعة. وكان نص الفتوى المطلوبة: نظرًا إلى الحاجة الشديدة إلى المال، يجوز للسلطان أن يأخذ أموالَ الرعية قهرا ويستعملها في شؤون الدولة.
فأرسل السلطان رسائل إلى فقهاء الشام يستدعيهم، وأمرهم بالتوقيع على هذه الفتوى. غير أنّ كثيرًا من العلماء رفضوا التوقيع، فغضب السلطان وأمر بقتل من أبَى منهم. وكان عددهم غير قليل. أمّا بعض العلماء فخضعوا خوفًا، إذ لم يكن لهم سبيل آخر، فوقّعوا على الفتوى مكرَهين.
ولم يهدأ غضب السلطان، فسأل: هل بقي أحدٌ لم يوقِّع بعد؟ فقال الحاضرون: نعم، بقي عالمٌ واحد، لكنّه لم يأتِ.فقال السلطان: أحضروه فورًا. فجيء بذلك العالم. كان مظهرُه بسيطًا، وثيابُه متواضعة، وجسمُه نحيلًا. فقيل له: يجب أن تكتب اسمَك مع بقية العلماء وتُوقّعَ على هذه الفتوى. هذا أمر السلطان. لكن الرجل لم يتردّد ولم يرتجف، وقال بصوت ثابت: لا، لا أستطيع أن أفعل ذلك.
فغضب بيبرس وقال: ولِمَ لا تستطيع؟ فقال العالم: إنّي أعلم أنك كنتَ في الماضي مملوكًا للملكِ بندقدار، ولم يكن لكَ مال. ثم أنعم الله عليك فصرتَ سلطانًا. وقد سمعتُ أن تحت يدك نحو ألف مملوك، وكلّ واحد منهم يلبس حياصة من ذهب، ولديك مئة جارية، وكلّ واحدة منهنّ تتحلّى بأنواع من الحليّ.
فإن أنفقت ذلك كلّه، وبقيت المماليك بالبنود الصوف بدلًا من الحوائص، وبقيت الجواري بثيابهنّ دون الحُليّ أُفتيتكَ عندئذ بأخذ المال من الرعيّة، ابدأ بنفسك، ثم بعد ذلك إذا تجردتّ من ذلك جميعًا فعند ذلك إن لم يكفِ لردّ التتار أفتيتكَ بأنه يجوز الأخذ من التجّار لصدّ عادية التتار. وأضاف: أما نصرة الجهاد فلا تكون إلا بالرجوع إلى الله، وإخلاص الدعاء له، واتباع سنة النبي ﷺ.
فاشتعل غضب السلطان الظاهر من كلمات هذا العالم ، وقال: من هذا الرجل؟! اطردوه من جميع الوظائف، ولا يُصرف له بعد اليوم أيّ راتب!
فقال الموظفون للسلطان وهم في حيرة: يا مولانا، إنّه لا يتقاضى راتبًا أصلًا، وليس جزءًا من النظام الرسمي. فدهش السلطان لحظة، لكنّ غضبه لم يهدأ، فقال: إذن لا أريد أن أراه في دمشق بعد اليوم. ليخرج منها!. فقال العالم بهدوء: سأغادر، فخرج إلى بلدته نوى، وهي مسقط رأسه.
وبينما كان ينصرف، سأل أحد الحاضرين السلطان: لماذا لمْ تقتله كما فعلت بغيره؟ فكان جواب السلطان غريبًا، إذ قال: حين هممتُ بقتله شعرت كأنّ على كتفيه حيوانين مفترسين يستعدّان للانقضاض عليّ!. وكان اسم ذلك العالم الذي أرعبَ السلطان الظاهر بيبرس هو الإمام النووي.
وروي أنه لما قصد الخروج فقام الفقهاء إلى الملك وقالوا: إنّ هذا من كبار علمائنا وصلحائنا وممن يُقتدى به، فأعده إلى دمشق، فكتب برجوعه، إلّا أنّ النووي رحمه الله امتنع، وقال: والله لا أدخلها والظاهر بها، فمات الظاهر بعد شهر.
ونُسب الإمام إلى بلدة نَوى، وهي قرية في منطقة حوران التابعة لولاية دمشق. وكان أول من سكنها من أجداده جدّه حِزام. واسم الإمام هو أبو زكريا يحيى بن شرف، أما لقب محيي الدين فهو لقب اشتهر به، غير أنه كان لا يحب أن يُنادى به، تواضعًا منه. وكان يقول أحيانًا: من سماني بهذا الاسم فلستُ في حلٍّ منه.
أما والده فهو شرف بن مُرِيّ، وكان رجلًا صالحًا تقيًا، يعمل في تجارة صغيرة. وكان زاهدًا في الدنيا، قريبًا من طريقة الأولياء. وقد وصفه علاء الدين بن العطار بأنّه رجل صالح عارف بالله، ووصفه الإمام الذهبي بقوله :شيخ مبارك. وتوفّي سنة 685هـ، وقد صُلِّي عليه صلاة الغائب في أماكن كثيرة من البلاد، لما كان له من شهرة بالصلاح والورع.
