خيّم الليل بسدوله الحلكة، واشتدّ المخاض بالزوجة وهي في أيامها الأخيرة، فبات من اليقين أن الوليد سيبصر النور في هذه الليلة. كان حريّاً بذلك الأب أن يستبشر، غير أن الهموم تلبدت في سماء قلبه، وارتسمت علامات العجز على وجهه كجمرٍ يتقد. لم يكن في البيت شيء؛ لا زادٌ يُشبع، ولا مالٌ يُنفق، حتى الزيت الذي يوقد به السراج قد نضب، ولم يبقَ منه ما يدهن به الجسد، بل والأدهى من ذلك، لم تتوفر خرقة ثوبٍ نظيفة يُلفُّ بها المولود المنتظر.
وفي غمرة انكساره، ارتقى صراخ طفلٍ يمزق صمت المكان؛ لقد تمت الولادة. حمد ربه، وكانت المولودة أنثى، ولما كانت هي الرابعة بعد ثلاث أخوات سبقتها، لم يذهب فكره بعيداً في تسميتها، بل أسماها "رابعة"، أي الرابعة في الترتيب.
وبينما هو غارق في همومه، قالت له زوجته: يا هذا، اذهب إلى جارنا واستعر منه قليلاً من الزيت لنوقد السراج. كان الرجل على فقر مدقع، إلا أن كرامته حالت بينه وبين الطلب؛ فقد قطع على نفسه عهداً مع الله ألا يسأل أحداً شيئاً، إذ نذر حياته للعبادة، وانغمس في أوراده مستمسكاً بالزهد والتصوف.
لكن أمام إلحاح الزوجة المنهكة، خرج الرجل ووقف على عتبة الجار، ورفع يده ليطرق الباب، فداهمه حياءٌ شديد. كيف يبث شكواه لبشر؟ وكيف ينقض عهداً وثّقه مع خالقه؟ تراجع دون أن يطرق الباب، وعاد إلى زوجته التي ترتقبه بلهفة، فقال لها كسير النفس: "لقد طرقته فلم يفتحوا لي".
انفجرت الزوجة بالبكاء؛ فآلام النفاس لا تزال تعصر جسدها، ومرارة الحاجة تفتك بروحها. اعتزل الأب في ركن من أركان البيت، وأسند رأسه إلى ركبتيه يجتّر أحزانه، حتى غلبه النعاس، فرأى في منامه رؤيا جليلة؛ رأى النبي ﷺ يقول له: "يا بني، لا تحزن على مولودتك الجديدة، فإنها ستقود بشفاعتها وعنايتها سبعين ألفاً من أمتي إلى الجنة يوم القيامة، وسيكون لها شأن عظيم".
ثم أردف النبي ﷺ قائلاً: "اذهب فوراً إلى عيسى بن زادان -والى البصرة- وقل له: يقرئك النبي السلام ويقول لك: إنك تصلي عليّ كل يوم مائة مرة، وفي ليلة الجمعة أربعمائة مرة، ولكنك نسيتها في الجمعة الأخيرة، وكفارةً لذلك، عليك أن تدفع لهذا الرجل أربعمائة دينار".
استيقظ والد رابعة فزعاً وهو يشهق بالبكاء من هول الرؤيا وجمالها. سألته زوجته عن حاله، فقصّ عليها الخبر. لقد رأى المصطفى ﷺ، والرؤيا حق لا ريب فيها. سارع وكتب الرسالة بمداد اليقين تحت ضوء شاحب، ومع تباشير الصباح، توجه إلى قصر الوالي.
وعند الباب، استوقفه الحراس، فدفع بالرسالة إلى أحدهم ليوصلها. كان التوجس يملأ قلبه؛ أسيظن الحاكم أنه كاذب؟ لكنه أمر نبوي لا مفر من تنفيذه. دخلت الرسالة على عيسى بن زادان، وما إن وقعت عيناه عليها وقرأ ما فيها، حتى جاش صدره بالبكاء، واغرورقت عيناه بالدموع؛ أهزّه أن يذكره النبي ﷺ بالاسم!
ومن فورِهِ، وأدءاً لشكر النعمة، قرر التصدق بألفي دينار ذهبي على الفقراء، ثم استدعى والد رابعة وعانقه بحرارة، وسأله عن شأنه وأكرم وفادته، ثم منحه الأربعمائة دينار وزاد عليها قولاً: "إن نابتك نائبة أو عرضت لك حاجة، فلا تتردد في المجيء إليّ".
ثم التفت الوالي إلى حاشيته قائلاً بلهجة يسودها التبجيل: "هذا رجلٌ بعثه رسول الله ﷺ إلينا، فعليكم بإكرامه وإجلاله، واقضوا له كل حوائجه من الآن فصاعداً".
