زار الحسن البصري رابعة العدوية ذات يوم وقت الظهيرة، وحين ارتفع أذان الظهر، وضعت رابعة قِدرًا فيه قطعة لحم على النار، عازمةً على إكرام ضيفها. وفي هذه الأثناء، غرق الاثنان في مدارسة الحقائق الروحية والعلوم الإلهية، حتى استغرقتهما الغمرة الفكرية عن طعامهما. قالت رابعة: "ليس هناك ما هو أسمى من حديثنا هذا، فليترك الطعام جانباً ولنسترسل في فيض المعرفة". وهكذا واصلا حديثهما، لا يقطعه إلا أداء الصلوات في مواقيتها.
لقد ذهل كلاهما عن اللحم وهو ينضج، فقد كان الزاد الروحي أشهى وأبقى. ولما انقضت صلاة العشاء، أرادت رابعة أن تقدم شيئاً لضيفها، فأتت بماء وخبز جاف، ظنّاً منها أن اللحم في القدر قد احترق وأفسدته النار. ولكن حين كشفت عن القدر، كانت المعجزة! لقد وجدته قد نضج نضجاً تاماً، وتكونت حوله مرقةٌ ذات لون وطعم فريدين. يقول الحسن البصري: "أكلنا من ذلك اللحم، فأقسمُ أني لم أذق في حياتي طعاماً بأطيب من ذلك المذاق".
وجاء سفيان الثوري لزيارتها ذات ليلة، فشرعت رابعة في الصلاة، فدخل سفيان معها في صلاتها، وظلا في القيام والركوع والسجود حتى انفلق الفجر. ومع تباشير الصباح، قالت رابعة: "يا سفيان، لقد قضينا ليلتنا هذه كلها في رحاب الصلاة، وهذا فضلٌ من الله ونعمة ساقها إلينا، وشكراً لهذه النعمة، فلنصم يومنا هذا". وهكذا دخلا في الصيام مع إشراقة الصباح. تلك كانت رابعة؛ نفسٌ لا تشبع من السعي في رضا خالقها.
كانت في كل ليلة تبتهل قائلة: "إلهي، إذا قمتُ بين يديك للصلاة، فاصرف عن قلبي وساوس الشيطان ونفثاته. وتقبل بفضلك وجودك صلاتي حتى وإن شابها ما يشوب قلوب البشر". كانت تقول ذلك تواضعاً وانكساراً، وإلا فإنها لم تكن تقف بين يدي ربها إلا بقلبٍ منقطع عما سواه، ومع ذلك كان الخوف يسكن جوانحها.
ودخل عليها عبد الله بن عيسى يوماً فوجدها في بكاءٍ ونحيب، وحينها تناهى إلى مسامعها صوت قارئ يتلو آية من ذكر النار وعذابها، فما إن سمعتها حتى صرخت صرخةً هوت بها إلى الأرض غائبة عن وعيها.
وجاءها مرةً رجلٌ صالح يطلب منها الدعاء، فألصقت ظهرها بالجدار وقالت بانكسار: "ومَن أنا حتى أدعو لك؟ رحمك الله.. أطع ربك وادعه بصدق، فإنه سبحانه هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه".
