صامت رابعة العدوية يوماً سبعة أيام بلياليها، لم تذق فيها طعاماً ولا شراباً، ولم تغمض لها جفن، بل كانت تقضي ليلها في أنس الصلاة والتهجد. فلما بلغ الجوع منها مبلغه، طُرق بابها، فإذا بشخص يحمل إليها طعاماً. استبشرت رابعة خيراً، وذهبت لتوقد المصباح لتأكل، فلما عادت وجدت القدر قد انكفأ على الأرض وضاع الطعام وكان مرقاً.
عزمت رابعة على الاكتفاء بشربة ماء تكسر بها حدة الظمأ، فلما أخذت الكوز انطفأ المصباح، وفي غمرة الارتباك سقط الكوز من يدها وتحطم، فذهب كل ما كان عندها. حينها انبعث من صدر رابعة أنينٌ حارق، وزفرات كادت تلهب جدران الغرفة، وقالت باكية: "إلهي.. لماذا تفعل هذا بي وأنا الأمة الضعيفة المسكينة؟".
في تلك اللحظة، نوديت من الغيب: "يا رابعة! لو شئتِ لأتينا بالدنيا وما فيها تحت قدميكِ، ولكنّا سننزع من قلبكِ حينها هيبتنا وحبنا؛ فإن حب الدنيا ومخافتنا لا يجتمعان في قلب واحد أبداً. يا رابعة، أنتِ تطلبين مراداً، ونحن نطلب مراداً، وكيف يجتمع مرادان؟".
تقول رابعة: "وقعت هذه الكلمات في قلبي موقع السهام، فانقطعت عني كل وشائج الدنيا، وانطفأت في نفسي كل الرغبات. فصليت بعدها ثلاثين عاماً، كنت أقول في كل صلاة: (هذه صلاتي الأخيرة، صلاة المودع)". واعتزلت الناس من حينها، وهربت من مخالطتهم إلى خلوة ربها.
زارها يوماً رهطٌ من الصالحين، فسألت كل واحد منهم سؤالاً، فقالت لأحدهم: "لِمَ تعبد الله؟".
قال: "إن دركات النار فظيعة ومهولة، والخلق جميعاً واردوها، وأخشى ألا يكفيني وقتي للنجاة منها، فأنا أعبده خوفاً من ناره".
وسألت الآخر نفس السؤال، فقال: "منازل الجنة عالية، ونعيمها مقيم، فأنا أعبده طمعاً في جنته".
فلما سمعت قوليهما، قالت رابعة مستنكرة: "أيعبد العبد ربه خوفاً من نار أو طمعاً في جنة؟".
فاندهش الزائرون وسألوها: "يا سيدة، فأنتِ لِمَ تعبدين الله؟".
قالت رابعة بلسان المحب الصادق: "أنا أعبده لذاته. ألا يكفينا أمره بالعبادة حتى نعبده؟ لو لم تكن هناك جنة ولا نار، لكانت عبادته علينا حقاً واجباً؛ لأنه وحده المستحق للعبادة، ونحن المقرّون له بالعبودية".
وذات مرة، رآها زائرٌ ترتدي ثوباً مرقعاً، فقال لها: "يا سيدة، لو سألتِ هؤلاء الناس وهم كُثر، أما كانوا يعطونكِ ما تحتاجين؟".
فأجابت رابعة: "إني لأستحي أن أسأل ملك الدنيا ومالكها، وهو الذي يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، فكيف أسأل بشراً لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؟".
تعاظم عجب الزائر وقال: "يا لقوة يقين هذه العجوز! إنها لا تقضي لحظة إلا في معية الله، ولا يشغلها عنه شاغل. إنه لأمرٌ عظيم".
