امتدت رحلة رابعة في هذه الحياة ثمانية عقود، قضتها غارقة في لجج الفكر الروحي، حتى دنت ساعة الرحيل. توافد الناس إلى خلوتها وهي على فراش المرض، يرجون نيل بركتها أو سماع وصية أخيرة تُنير دروبهم؛ أما رابعة، فكانت في شُغلٍ شاغل، تتأهب للقاء ربها، وتتوق لنفس الخلوة التي عاشتها في الدنيا، بعيداً عن صخب الخلائق وزحام العابرين.
حين استشعرت رابعة أنفاس المنون، التفتت إلى من حولها وقالت بلسان اليقين: "قوموا عني، وأخلوا هذا المكان لرسل ربي". فأيقن الحاضرون أن الروح تهمُّ بالتحليق، فخرجوا وأوصدوا الباب خلفهم. وقبل ذلك، كانت قد أوصت خادمتها "عَبَدة" قائلة: "لا تعلني موتي بضجيج، وكفنيني في ثوبي هذا وخماري اللذين كنت أصلي فيهما". كانت تأبى إلا أن تفارق الدنيا بزهده الذي ألفته وألفها.
ومن وراء الباب الموصد، تناهى إلى مسامع الواقفين صوتٌ يتلو من آيات الذكر الحكيم: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾. ثم ارتفع صوتها بكلمة التوحيد: "أشهد أن لا إله إلا الله"، وبعدها سكن كل شيء. فتحوا الباب، فإذا بتلك الروح الطاهرة قد فاضت إلى باريها، معلنةً نهاية رحلة الاغتراب في دار الفناء.
فشا الخبر في الآفاق كالنار في الهشيم، واهتز عالم التصوف لوعةً وبكاءً على غياب منارة القلوب. غُسلت، وكُفنت في ثيابها البالية كما أوصت، وصُلي عليها، ووُريت الثرى تحت دموع المحبين. وجاء رهط من الصالحين إلى قبرها وسألوها بصوت المحزون: "يا رابعة! لم تلتفتي للدنيا طرفة عين، فما حالكِ الآن؟ وهل نلتِ ما كنتِ ترجين؟". فحدثت المعجزة، وانبعث صوتٌ من باطن الأرض يقول: "لقد نلتُ كل ما كنتُ أرجو".
وبعد عامٍ من رحيلها، رأت الخادمة "عَبَدة" سيدتَها في المنام، وهي تختال في ثياب من السندس الأخضر، جمالها يأخذ بالألباب. سألتها "عَبَدة": "يا سيدتي، أين جُبتك الصوف وخمارك اللذان كفناكِ فيهما؟".
فأجابت رابعة: "لقد نزعها الله عني، وأبدلني بها ما ترين؛ أما الكفن فقد طُوي وخُتم عليه، ورُفع إلى (عليين) ليكون لي ذُخراً يوم العرض الأكبر". فسألتها الخادمة: "ألهذا كنتِ تلبسين الزهيد من الثياب؟". قالت: "ما ترينه إنما هو جود الله الذي يفيضه على أحبابه".
انتقلت رابعة إلى جوار ربها في عام 185 للهجرة (801 للميلاد)، تاركةً خلفها عبقاً لا يزول من العشق الإلهي.
