خرجت رابعة من دار سيدها حرة طليقة، والسرور يغمر جوانحها، فمضت في طريقها ترسم معالم حياتها الروحية الجديدة. آثرت العزلة في بادئ الأمر، إلا أن تصاريف الحياة أوقعتها في شباك رفقةٍ لم تكن كلها على طريق الرشاد، فالصحبة قد لا تقود المرء دائماً إلى ضفاف النور.
شهدت حياة رابعة في تلك الفترة تحولاً عابراً، حيث استيقظت في نفسها نزعات بشرية مالت بها نحو الطرب والغناء. ورغم أنها لم تقع في الكبائر، إلا أنها وجدت نفسها تأنس لمجالس الموسيقى والرقص، وانضمت في لياليها إلى فرقٍ من الغانيات، تطلب السلوى في صدى الألحان.
وبينما هي على تلك الحال، طرق سمعها ذكر مجالس العلم لـ "الحسن البصري". فما إن وطئت قدماها حضرته وسمعت مواعظه التي تنفذ إلى شغاف القلب، حتى اهتزت كيانها، وانبعثت من رقدتها ذكريات الطهر والعبادة التي نشأت عليها في صغرها.
أيقنت رابعة حينها أنها تبتعد عن رحاب الله، فاعتصرها الندم، وانخلع قلبها توبةً وإنابة. هجرت كل ما يربطها بمباهج الدنيا، وقطعت صلتها برفاق السوء، وأعلنت توبتها الصادقة على يد الحسن البصري، وقررت اعتزال الناس أجمعين.
انتحت رابعة مكاناً قصياً، وشيدت لها صومعةً في الفيافي، عاكفةً فيها على العبادة آناء الليل وأطراف النهار. استدركت ما فاتها من أوراد، حتى رُوي أنها كانت تصلي في اليوم الواحد ألف ركعة، وسرعان ما حلّقت روحها في آفاق الملكوت الصافية.
ثم نادى في قلبها منادي الشوق لزيارة بيت الله الحرام؛ فشدت الرحال نحو الكعبة لتسكن أنين روحها وتبث شكواها للخالق في أطهر البقاع. خرجت مع قافلةٍ من الحجيج، وفي منتصف الطريق، سقط حمارها -وهو وسيلتها الوحيدة- ميتاً. عرض عليها رفاق القافلة المساعدة وحمل أمتعتها، لكن رابعة، التي غلب عليها التوكل المطلق، قالت لهم: "اذهبوا، فقد توكلت على الله، وإن قدّر لي الوصول فسأصل".
تركها الرفاق في ذلك الوادي وحيدةً بناءً على إلحاحها. رفعت كفيها إلى السماء وقالت مناجية: "إلهي، أنا امرأة ضعيفة، أهكذا تفعل بي؟ دعوتني إلى بيتك فخرجت ملبية، والآن مات حماري وتركتني وحيدة في هذا العراء، لا أستطيع نوماً ولا قراراً، فماذا أصنع؟".
ولم يكد يرتد إليها طرفها حتى كانت المعجزة؛ دبت الحياة في الحمار الذي ظنته ميتاً، فقام واقفاً على قدميه. حمّلت رابعة متاعها وهي ترى آيات الله تتجلى لمن صدق في التوكل، فمضت تلحق بالقافلة.
يُروى أن هذا الحمار شوهد بعد سنوات يُباع في الأسواق، فقد أطال الله في عمره ببركتها. وفي مرحلة أخرى من سيرها في الفيافي، انفردت رابعة بنفسها، فناجت ربها قائلة: "إلهي، قد نال مني التعب، فإلى أين المسير؟ إنني محض تراب، وكعبتك أحجارٌ وتراب، لستُ أقصدها لذاتها، بل أنت مقصدي ووجهتي".
فجاءها هاتفٌ من الغيب يقول: "يا رابعة، إنكِ لا تطيقين تحمّل نوري، أما علمتِ ما جرى لموسى؟ كفّي عن السؤال، واقنعي بذكر اسمي القدوس". فسكنت نفسها، وواصلت مسيرها، وما إن اقتربت من الكعبة حتى رأت أنواراً باهرة تستقبلها من بين جنبات البيت العتيق.
فقالت حينها: "لستُ إياكِ أريد، ولا يفرحني هذا الاستقبال، إنما أريد رب البيت، الذي قال: من تقرب إليّ شبراً تقربتُ إليه ذراعاً". دخلت رابعة الحرم، ولم يعرفها الناس من حولها، إلا أن العارف "إبراهيم بن أدهم" أدركها بنور بصيرته، فسألها مستغرباً من شهرتها التي سبقتها في عالم الأرواح: "يا هذه، أتبحثين عن الشهرة في دار الفناء؟".
فأجابته رابعة بلسان العارفين: "لستُ أنا من يبحث عن الشهرة، بل أنت يا إبراهيم؛ ألم تستغرق أربعة عشر عاماً لتصل إلى الحج؟". بهت ابن أدهم من قولها، فقد رأت بقلبها ما كان يخفيه؛ إذ كان لا يخطو خطوة إلا وصلى خلفها ركعتين، فاستغرق منه الوصول سنين طوالاً (وقيل أربعين سنة).
ثم قالت له: "يا إبراهيم، أنت جئت بالصلاة، وأنا جئتُ بالافتقار والاضطرار، وبين الطريقين بونٌ شاسع".
ثم أجهشت بالبكاء، وأتمت مناسكها، وعند الفراغ قالت من أعماق قلبها: "اللهم إني أعود بخصلتين؛ حجّ بيتك، وصبري على البلاء، فإن كان حجي غير مقبول، فوا أسفاه، أي مصيبة أعظم من هذه؟".
