ذات يوم، زار رابعةَ جماعةٌ من المتشككين في شهرتها الروحية ومكانتها، وقد أضمروا في أنفسهم أن يُفحموها بالمنطق ويُلجموها بالسكوت. استقبلتهم رابعة، فبدأوا يتحدثون في شؤون الروح، ثم انبرى أحدهم يحاول النيل من قدرها قائلاً: "إن الله قد حصر العظمة والسيادة والفضيلة في الرجال، فوضع تيجان النبوة على رؤوسهم، وألبس كثيراً منهم خلع الولاية، ولم يمنع صنف النساء شيئاً مثلما منعهن نعمة النبوة". ففطنت رابعة لمآربهم وردت عليهم بكلمة قاصمة: "صدقت، ولكن لم تدّعِ امرأةٌ قط الربوبية قائلة (أنا ربكم الأعلى) كما فعل أحد رجالكم". فبُهت القوم وكُسر كبرياؤهم، واعتذروا عما بدَر منهم وانصرفوا خائبين.
أصاب رابعة يوماً سقامٌ شديد، فسألها الزائرون: "ما سبب علتكِ؟".
قالت: "نظرتُ إلى الجنة نظرةً، فأدّبني ربي. هذا كل ما في الأمر". ومغزى قولها واضح؛ فبمجرد أن حاد قلبها لوهلة عن ذكر الله والتعلق بذاته، انعكس ذلك ألماً مادياً في جسدها، وهذا مقامٌ لا يدركه إلا الخواص من أمثالها.
يقول الحسن البصري: "ذهبتُ يوماً لزيارة رابعة في صومعتها، فإذا بتاجرٍ يقف ببابها يبكي بكاءً مراً، وبين يديه كيسٌ من المال. سألته: ما يبكيك؟".
قال التاجر: "أبكي خشية أن تنقطع بركة هذه السيدة الزاهدة عن الخلق فيهلكوا". لقد كان التاجر يدرك عظمة مقامها، ويعلم أن وجود الأتقياء أمانٌ لأهل الأرض.
سألته: "وماذا في هذا الكيس؟".
قال: "مالٌ جئت به لتنفقه في حوائجها، ولا أدري أتقبله مني أم ترده، وقد جئتَ في وقتك يا إمام، فاشفع لي عندها لتقبله".
دخل الحسن وعرض الأمر على رابعة، فقالت: "أيرزق من يسبه ويشتمه، ولا يرزق من يحبه ويوده؟". تقصد رابعة أن الله يرزق الكافر والعدو، فكيف يضيع من يلهج قلبه بحبه ليل نهار؟ وهو الذي كفل الرزق لكل دابة على وجه الأرض.
ثم أردفت قائلة للحسن البصري: "يا أستاذ، منذ عرفتُ الخالق أعرضتُ عن الخلائق. كيف لي أن أقبل مالاً لا أدري أمن حلال هو أم من حرام؟ لقد خطتُ يوماً قميصاً على ضوء مصباح السلطان، فأظلم قلبي دهراً، ولم ينجلِ الران عنه إلا بعد أن مزقتُ ما خطتُه. فاذهب إلى التاجر، وطيّب خاطره، وأخبره بعذري بلطف".
خرج الحسن البصري وأخبر التاجر بما دار، فبرد قلبه حين علم أن رابعة راضية عنه رغم ردها للمال، وانصرف مسروراً بيقينها.
