جاء الحسن البصري يوماً إلى رابعة وبثّ إليها رجاءه قائلاً: "يا سيدتي، علّميني حرفاً واحداً من علمٍ لم تتعلميه من أحد، ولم تسمعيه من بشر؛ علمٍ نزل على قلبكِ من لدن الخالق بلا واسطة مخلوق".
فأجابت السيدة رابعة: "غزلتُ يوماً قطناً، ثم ذهبت به إلى السوق لأبيعه كي أصيب ما أسدُّ به جوعي، فبعته بدرهمين. أمسكتُ درهماً في يد، والآخر في اليد الأخرى؛ وما ذاك إلا لكي لا تجتمع زوج من الأشياء في يدٍ واحدة في آنٍ واحد. فكان ذلك اليوم بالنسبة لي يوم فتوحٍ وتجلٍّ رباني".
وفي مرةٍ أخرى، قال أحد تلامذة الحسن البصري: "يقول الحسن: لو حُجب أهل الجنة عن رؤية جمال الله الفائق ثانية واحدة، لشهقوا بكاءً يملأ الجنة حزناً".
فردت رابعة على ذلك بقولها: "الحقُّ ما قال، ولكن عليه أن يشهق بكاءً من لوعة الحزن في الدنيا إذا غفل عن ذكر الله ثانية واحدة؛ فذاك البكاء هو الذي يصدّق صدق بكائه المنشود في الآخرة. وإلا، فإن كل ما يقوله لن يعدو كونه أضغاث أحلام وخيالات".
سحرت أفكار رابعة الروحية لبَّ الحسن البصري، فاستشعر أن ارتباطه الدائم بها سيكون له ذخرٌ في الآخرة. ففكر في السبيل إلى ذلك، ولم يجد خيراً من أن يتخذها رفيقةً لحياته؛ ولم يكن دافعه عاطفةً بشرية، بل رغبةً في إزالة العوائق المادية أمام الوصال الروحي.
لم يتوانَ الحسن، فمضى إليها وسألها: "لماذا لا تتزوجين؟"، ممهداً الطريق لسبر أغوار قلبها.
قالت رابعة: "سأسألك ثلاثة أمور، فإن أجبتني عنها بدقة، قبلتُ مقترحك وامتثلتُ لقولك. أما الأمر الأول: فهل سأفارق هذا العالم مؤمنةً بربي؟".
أجاب الحسن ومن معه بصوت واحد: "لا علم لنا بذلك".
قالت: "فإليكم السؤال الثاني: هل سيُدفع إليَّ كتاب أعمالي في الآخرة بيميني أم بشمالي؟".
قالوا: "وهذا أيضاً لا نعلمه".
والسؤال الثالث: "حين يُقسم الناس في الآخرة فريقين، فريقاً عن اليمين وفريقاً عن الشمال، في أي فريق سأكون؟ هل تستطيع الإجابة؟".
قالوا: "هذا أمرٌ مستحيلٌ علمه".
حينها قالت رابعة: "من كان ينوء بحمل الهمّ في هذه الثلاث، كيف له أن يتزين كعروس؟".
لكن الحسن البصري لم يتخلَّ عن رغبته، وظن أن قلبها قد يلين يوماً أو تقبله زوجاً، فعاد إليها مرة أخرى يخطبها صراحةً. فكان رد رابعة:
"يا أيها الأستاذ، إنما الزواج لمن يملك لنفسه قراراً، أما أنا فليس لجسدي من قراري شيء، لأني فانيةٌ في ربي، مستسلمةٌ لظلال أوامره. لا أملك لنفسي قدراً ولا استقلالاً. ألا يحتاج الزواج أولاً إلى وعيٍ بالذات؟ وأنا لا أجد ذاتي؛ لقد فقدتُ نفسي في مولاي، فوجوده هو وجودي، وهو مرجعي وأساسي. لذا يا أستاذ، إن كان لا بد لك من زواج، فاخطب غيري من النساء".
جعلت هذه الإجابة الحسن البصري يغرق في تفكيره، فسألها: "كيف بلغتِ يا سيدتي هذه المنزلة من الفكر؟". فأجابت: "تركتُ كل الخبرات المادية والمتاع الدنيوي، وقربتها قرباناً في سبيل ذاته العلية".
