اجتمع يوماً الحسن البصري ومالك بن دينار وشقيق البلخي لزيارة رابعة، وكان الثلاثة من كبار أقطاب التصوف، وكانت رابعة حينها طريحة الفراش من أثر السقام. وفي معرض الحديث عن الصبر، قال الحسن: "ليس بصادقٍ في دعواه مَن لم يصبر على ضرب مولاه".
فقالت رابعة: "إن في هذا القول ريح الأنانية والشكوى".
فقال شقيق البلخي: "ليس بصادقٍ في دعواه مَن لم يشكر على ضرب مولاه". فظلت رابعة صامتة لا تبدي حراكاً.
حينها قال مالك بن دينار: "ليس بصادقٍ في دعواه مَن لم يتلذذ بضرب مولاه".
كان مرادهم جميعاً أن الاختبار الإلهي يستوجب الصبر، وتتفاوت مقاماته من الصبر إلى الشكر ثم إلى الالتذاذ بالبلاء؛ ليكون العبد صادقاً في دعوى محبة الخالق.
فلما سمعت رابعة أقوالهم، قالت: "عندي ما هو أتمُّ من ذلك وأبهر". فاستبد بهم الشوق وقالوا بصوت واحد: "قولي يا سيدة".
قالت رابعة: "ليس بصادقٍ في دعواه مَن لم ينسَ الضرب في مشاهدة مولاه". ثم أردفت: "ليس في هذا عجب؛ ألا تذكرون نسوة مصر اللواتي نسين ألم تقطيع أيديهن عند مشاهدة مخلوق (يوسف عليه السلام)؟ فكيف بمَن يغرق في شهود الخالق؟". فمَن فني في الله غاب عن إحساسه بآلام الدنيا وأوجاعها.
ومن فيض فنائها في الله، كانت لها شطحات روحية ومناجاة، فكانت كثيراً ما تقول: "إلهي، لئن ألقيتني في النار غداً، لأفشينَّ سرّاً تهرب منه النار مني مسيرة ألف عام". ومما لا شك فيه أن ذلك السر هو لوعة عشقها الصادق للخالق.
وقالت في مناجاة أخرى: "إلهي، ما قسمته لي من الدنيا فأعطه لأعدائك، وما قسمته لي من الآخرة فأعطه لأوليائك؛ فحسبي أنت، ولا أريد سواك".
وكان من دعائها المشهور: "إلهي، إن كنتُ أعبدك خوفاً من نارك فاحرقني بها، وإن كنتُ أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها؛ وإنما أعبدك طلباً لوجهك الكريم، فلا تحجمني عن مشاهدة جمالك الأزلي. إلهي، لئن أدخلتني النار غداً، لصحتُ في أهلها: إني أحببته، أفعلُ المحب بمحبوبه هكذا؟". فحينها سُمع صوتٌ من الغيب يقول: "يا رابعة، لا تظني بنا ظن السوء".
وقالت ذات مرة: "إلهي، إن قصتي وشأني ومبتغاي في الدنيا هو ذكرك، وفي الآخرة هو لقاؤك؛ وبعد ذلك فافعل بي ما تشاء".
وكانت في خلوة كل ليل تناجي ربها قائلة: "إلهي، اجعل قلبي حاضراً معك، وتقبل صلاة من يحترق قلبه في وحدته شوقاً إليك".
