يقول عبد الواحد بن عامر: "ذهبتُ أنا وسفيان لزيارة رابعة وهي مريضة، فلم يجرؤ أحدٌ منا على بدء الكلام هيبةً لمقامها وجلال قدرها.
فقلتُ لسفيان: تكلم أنت، فقال سفيان: يا سيدتي، لو دعوتِ الله أن يخفف عنكِ هذا البلاء ويُيسّر أمركِ؟.
فردت رابعة قائلة: يا سفيان، أما علمتَ أن هذا الألم إنما هو بمشيئة الله؟.
قال سفيان: بلى، أعلم.
قالت: فكيف أسأله شيئاً يخالف مشيئته؟ لا ينبغي للمحب أن يعترض على مراد محبوبه. لقد كانت غارقة في فكرها الصوفي، ترى أن الله عليمٌ بكل شيء، وما يختاره لنا فنحن نقبله بتمام الرضا".
سألها سفيان: "يا سيدتي، هل لكِ من أمنية في هذه الساعة؟".
فجاء ردها عجيباً: "منذ اثني عشر عاماً وأنا أشتهي الرطب، وأنت تعلم أن البصرة مليئة به، وقد تيسر لي بعدها وأكلت، ولكني عبدة، والعبد لا شأن له بالأماني. إني قد أريد شيئاً وسيدي لا يريده، فذاك لؤمٌ وجفاء. إن كمال العبودية ألا يشتهي العبد إلا ما يشتهيه مولاه، ولا يريد إلا مراده، فكيف لي أن أريد ومراد الله غير مرادي؟".
فسكت سفيان مأخوذاً بحالها وقال: "لا نملك في أمركِ قولاً، فاقضي ما أنتِ قاضية في شأنكِ".
فقالت رابعة: "إنك نِعمَ الرجل يا سفيان، لولا حبك للدنيا".
سأل سفيان متعجباً: "وكيف ذلك؟".
قالت: "إنك تحب رواية الحديث، وهذا حسن، ولكن اخشَ أن يكون ذلك لطلب الشهرة والجاه". فاهتز كيان سفيان ودمعت عيناه ودعا قائلاً: اللهم ارضَ عني، فقالت رابعة: أما تستحي أن تطلب رضا مَن أنت غير راضٍ عنه؟".
يقول مالك بن دينار: "دخلتُ على رابعة يوماً، فإذا هي تستخدم كوزاً مكسوراً تشرب منه وتتوضأ، وتفترش حصيراً بالياً، وتتوسد آجرة قالب طوب. فحزنتُ لحالها وقلت: يا سيدتي، لي أصدقاء ميسورون، فلو أذنتِ لي لجمعتُ لكِ منهم ما يقضي حوائجكِ.
فقالت رابعة: يا مالك، لقد أخطأتَ خطأً كبيراً. أليس الرازق لي ولأولئك الأغنياء واحداً؟.
قلتُ: بلى.
قالت: فهل ينسى الرازقُ الفقيرَ لفقره، ويجزل العطاء للغني لغناه؟.
قلتُ: لا.
قالت: إذن فهو عليمٌ بحالي، ولا حاجة لي بتذكيره. إن مشيئته تجري في حياتي قدراً، ولا نملك أن نريد إلا ما أراد.
وذات مرة، زارها أحد وجهاء البصرة وهي في مرضها وألمها، فصعب عليه حالها وجعل يذم الدنيا ويذكر مساوئها. فقاطتعه رابعة قائلة: "إنك تحب الدنيا حباً جماً؛ فلولا حبك لها ما لهج لسانك بذكرها. إن المشتري هو الذي يكثر من ذكر عيوب السلعة ليبخس ثمنها ويظفر بها. لو كان قلبك فارغاً من الدنيا ما جرى ذكرها على لسانك، ألم يقال: مَن أحب شيئاً أكثر من ذكره؟".
