وُلدت رابعة في عام 717 ميلادية، أي مع مطلع القرن الثاني الهجري تقريباً. نشأت في كنف والدها الذي أحسن تأديبها، وبإشراف أمٍّ أحاطت بناتها بعناية فائقة. حفظت رابعة القرآن الكريم منذ نعومة أظفارها، وتشرّبت آداب الشريعة السمحة وقيمها.
عاش الأبوان حياةً زاهدة تترفع عن زخرف الدنيا؛ ورغم أن عطايا الوالي "عيسى" كانت تتوارد عليهم بين الحين والآخر، إلا أن الأب لم يكن ليسأل الناس إلحافاً أو يطلب شيئاً لنفسه، غير أن الوالي كان يتعهد الأسرة بالمال والهبات في المناسبات المختلفة، مما جعل حياتهم تمضي في سترٍ وكفاف دون مشقة تذكر.
بيد أن تصاريف القدر لا تجري دوماً على وتيرة واحدة؛ فما إن اشتد عود رابعة حتى اختطف الموت والدها، ولم تلبث الأم أن لحقت به، فبقيت الأخوات الأربع وحيدات يواجهن مصيرهن.
ومع رحيل الأب، انقطعت المساعدات، وتزامن ذلك مع قحطٍ شديد ضرب مدينة البصرة، فأحكم الجوع مخالبه على رابعة وأخواتها حتى استشعرن دنو الأجل. فلم يجدن بُدّاً من مغادرة الدار والهيام على وجوههن، فتفرق شملهن في بقاع شتى، ومضت كل واحدة في طريقٍ مجهول.
وفي غمرة هذا التيه، تعقب أثرها رجلٌ جائر، كانت رابعة في حالة من الضعف والإنهاك، فاقتادها وباعها في سوق الرقيق مقابل ستة دراهم معدودات؛ طمعاً في ثمنها ليعيش به.
اشتراها سيدٌ غليظ القلب، أرهقها بالأعمال الشاقة، ولم يجد عليها إلا بالقليل من الزاد، فصارت حياتها قيداً من الحرمان. حدثتها نفسها يوماً بالفرار، وفي طريقها لمحها رجل غريب نظر إليها بعين الشهوة، ففرت منه مذعورة لجهله بمسالك المدينة، حتى تعثرت وسقطت على الأرض، فانخلع كفُّها من شدة الوقع.
انطرحت رابعة على الأرض والوجع يعصرها، فرفعت بصرها إلى السماء وناجت ربها بكلمات مؤثرة: "إلهي، أنا غريبةٌ بلا أمٍ ولا أب، ضعيفةٌ في أسر ظالم، والآن قد انكسرت يدي، فلا يضيرني ذلك، فكل ما يأتيني منك هو محبوبٌ عندي، ولكن قصارى همّي أن أعلم: أراضٍ أنتَ عني أم غير راضٍ؟".
وما إن أتمت نجواها حتى سمعت هاتفاً من الغيب يقول: "يا رابعة، لا تحزني، فإن لكِ في الآخرة مقاماً محموداً يغبطك عليه المقربون من أهل السماء".
ملأ هذا النداء قلبها سكينةً وطمأنينة، فقررت العودة إلى سيدها، معتبرةً أن الفرار إثمٌ لا ترضاه لنفسها. عادت وداوت كفها، واستمرت في خدمة سيدها بنفْسٍ راضية، مكرسةً ليلها للصلاة ونهارها للصيام ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
وفي ذات ليلة، استيقظ سيدها فزعاً، فسمع صوتاً ينبعث من فوق، فتسلل ليرى ما الخبر. رأى رابعة ساجدةً تناجي ربها وتقول: "إلهي، إن قلبي لا يصبو إلا إليك، وشهوتي هي طاعة أمرك، وقرة عيني في خدمتك ببابك العظيم، ولكنك يا رب جعلتني أمةً لمخلوق من خلقك، فلا يتسع وقتي كله لعبادتك".
وبينما هو ينظر إليها بدهشة، لاح في الفضاء قنديلٌ من نور يتدلى فوق رأسها دونما سلسلة، فأضاء الغرفة بضياءٍ باهر. أيقن السيد حينها أن هذه الأمة ليست كبقية البشر، بل هي وليةٌ من أولياء الله، ولا يحلُّ له استعبادها.
وعند الصباح، استدعاها السيد برفق وأدب جم، وقال لها: "يا أختاه، أنتِ حرةٌ لوجه الله الكريم، إن شئتِ البقاء هنا فنحن في خدمتكِ، وإن أردتِ الرحيل فالأمر إليكِ".وقفت رابعة لحظة صمت تفكر، ثم اختارت الحرية لتختلي بعبادتها بعيداً عن أعين الناس، فقالت له: "المعذرة، سأرحل، وأرجو أن تعفو عني إن بدر مني تقصير". فودعتها العائلة بدموع التأثر والإجلال وهي تمضي في طريقها نحو الملكوت.
