عادت رابعة إلى البصرة بعد فراغها من الحج، لكن مكة لم تغادر مخيلتها قط؛ إذ ظلت ذكريات المشاعر تهزُّ أركان قلبها، وألحَّت عليها فكرة العودة في العام القابل. وما إن حلّ موسم الحج حتى انطلقت في رحلتها، بيد أنها كانت رحلة مديدة هذه المرة؛ ولجت فيها الفيافي والوديان، فكانت سياحةً روحية غارقة في الوجد والمجاهدة، حتى استغرق وصولها إلى مكة سبع سنين!
مضت السنون السبع، لكنها في عين رابعة -المستغرقة في ذات الله- بدت كأنها لمحة خاطفة. وعند وصولها إلى عرفات، ناداها هاتفٌ من الغيب:
"يا رابعة.. ماذا تطلبين؟ إن كنتِ تطلبينني، تجلّيتُ لكِ بعظمتي وجلالي، ولكنكِ ستذوبين كما يذوب الملح في الماء."
فأجابت رابعة بلسان العجز: "إلهي.. لستُ أهلاً لتلك المقامات العلية، إنما أرجو منك ذرةً من كنف لجوئي إليك." فارتفع الصوت مجدداً: "الالتجاءُ نِعمَ السبيل، وهو دأبُ الصالحين، ولكن كم من واصلٍ لم يبقَ بينه وبين الغاية إلا قيد شعرة، فاضطرب حاله وضلَّ عن المقصد الأسمى. وإنكِ لا تزالين بين سبعين حجاباً وبين مقامك الروحاني."
استمر السجال الروحي بين رابعة والهاتف الغيبي، في تجربةٍ ذوقية خاصة تليق بأهل العرفان. فقالت رابعة في مناجاتها: "إلهي.. أرِني مثالاً لِظَفَرِ المحبين بالوصول." وما إن نطقَت بذلك حتى أتاها "العذر الشرعي" (الحيض)، فدخلت في حال من عدم الطهارة.
حينها ارتفع الصوت قائلاً: "يا رابعة.. ألم يتضح لكِ الأمر الآن؟ بعد رحلة كدٍّ استمرت سبع سنين لزيارة بيتي الحرام، ها قد بلغتِ العتبات، ولكن لأمرٍ قدريٍّ خُتم الباب في وجهكِ؛ إذ لا دخول للبيت في حال عدم الطهارة. لقد جئتِ بكل هذا الشوق، وها قد وُضع الحائل دونكِ."
فارتبكت رابعة وناجت ربها بانكسار: "إلهي.. في بيتي لم تتركني استقر، وفي بيتك لم تقبلني! فإما أن تدعني في بصري، في داري، أسكن بسلام، وإما أن تأذن لي في بيتك. الكعبة بيتك، ولكن البيت ليس مقصدي، بل أنت يا رب البيت مقصدي.. ومع ذلك، ها أنا أرى نفسي غير أهلٍ لدخول حماك."
واستمرت هذه المناجيات الروحية العميقة، ثم قفلت رابعة راجعةً إلى البصرة، حيث عانقت العزلة التامة، وانقطعت بالكلية لمحراب العبادة والتبتل.
