في أحد الأيام، تسلل لصٌّ إلى دار رابعة، وطاف بالبيت فلم يجد فيه ما يستحق السرقة، فقد كان الزهد شعارها والفقر دثارها. وحين همَّ بالخروج، استنكف أن يعود خالي الوفاض، فبسط يده إلى خمارٍ بالٍ لها وأخذه. وحين توجه نحو الباب، وجده مغلقاً مسدوداً!
ارتبك اللص، فوضع الخمار مكانه وعاد إلى الباب، فإذ بالباب مفتوح على مصراعيه. فعاوده الجشع، فعاد وأخذ الخمار ثانيةً، فانغلق الباب مرة أخرى! وتكرر هذا المشهد الغريب سبع مرات؛ يأخذ الخمار فيوصد الباب، يضعه فينفتح الباب. وفي المرة السابعة، اخترق مسامعه هاتفٌ يقول:
"يا أيها اللص.. لا تمنّ نفسك بسبيل إلى هذه السرقة. إن رابعة قد أسلمت نفسها وروحها لنا منذ زمن بعيد، وهي التي هجرت النوم طاعةً لنا. إننا لم نمكّن إبليس من خدش خلوتها، فكيف نمكّنك أنت من خمارها؟! أيها اللص.. لقد جئت لتسرق وهي نائمة، لكنك خبت وخسرت؛ فإن كانت حبيبتنا نائمة، فإن حبيبها حيٌّ قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم. فامضِ لشأنك ولا ترهق نفسك هباءً."
أدرك اللص حينها أنه أمام وليّة من أولياء الله، ففرَّ هارباً بجلده من الباب المفتوح.
كانت رابعة محفوفة بعناية الله في كل حين. ويروى أن خادمتها احتاجت يوماً إلى "بصل" لتصلح به طعاماً، وقالت: "يا سيدتي، لقد اشتهيتُ مرقاً طيباً مع الخبز، فهل آخذ من الجيران بصلاً؟". فرفضت رابعة قائلة: "لقد عاهدت ربي منذ أربعين عاماً ألا أطلب من أحد شيئاً، فاصنعي طعامك بلا بصل". وما إن أتمت كلمتها، حتى انقض طائر من السماء وفي منقاره بصلة مقشرة ونظيفة، ألقاها في القدر ثم طار مبتعداً!
فرحت الخادمة وعدّت ذلك كرامة، ولكن حين أخبرت رابعة، أبت أن تطعم منه شيئاً، واكتفت بخبزها اليابس قائلة: "لعل هذا مكرٌ من الشيطان ليختبر ورعي ويخدش تقواي".
كان البكاء رفيق رابعة الدائم، يسيل من خشية الله. وسئلت ذات مرة عن سبب كثرة بكائها فقالت: "أبكي خوفاً من القطيعة؛ فأنا وإن كنت أنعم الآن بأنسه، لكني أخشى عند الموت أن يناديني المنادي: لستِ ممن آمن بي! فماذا أصنع حينها؟ وكيف يكون حالي؟".
وسئلت رابعة: "متى يبلغ العبد مقام الرضا عن الله؟"
فأجابت: "إذا كان سروره بالبلاء مساوياً لسروره بالنعماء".
وسألها سائل: "إذا أذنب العبد ثم تاب، فهل يتوب الله عليه؟"
فقالت بلمحة عرفانية عميقة: "وكيف يتوب العبد العاصي من تلقاء نفسه؟ الحقيقة هي أن الله إذا تاب على عبده ووفقه، تاب العبد. فالتوبة بدأت من الله قبولاً، فانعكست على قلب العبد إنابة".
لقد أرادت رابعة أن تؤكد حقيقة كبرى: أن الصلاح ليس بجهد العبد المجرد، بل هو محض فضلٍ واصطفاء من الخالق سبحانه.
