ذات يوم مر شاب من أمام رابعة وقد عصب جبهته بخرقة فسألته ما هذه العصابة يا فتى؟ أجاب الشاب عصبتها من وجع الرأس يا سيدتي. سألته كم بلغت من العمر؟ قال ثلاثين سنة. فقالت هل أصابك وجع الرأس خلال هذه السنين الثلاثين قبل اليوم؟ قال لا هذه هي المرة الأولى. فقالت رابعة عشت ثلاثين سنة في عافية من الألم فهل عقدت على رأسك عصابة شكر لله؟ كلا والآن لما أصابك الوجع يوما واحدا عقدت على رأسك عصابة الشكوى وصرت تطوف بها بين الناس.
لقد كان فكر رابعة غارقا في الروحانية إذ ترى أن الإنسان الذي ينسى شكر الله على نعمه لا ينسى أبدا أن يتذمر من البلاء الذي يبتليه به وهذا عين الجحود. وقالت يوما يا بني آدم ليس لله موضع في العين ولا سبيل إليه عبر اللسان ولا يدرك بالسمع. أرباب الكلام في حيرة وأرباب العقول في سكر من أمره. إنما المدار على القلب فتيقظوا بظواهركم وبواطنكم واجتهدوا في إحياء قلوبكم فمتى استيقظ القلب استغنى عن كل معونة.
وقالت أيضا استغفارنا باللسان هو طلاء الكاذبين وتقصد بذلك أن القبول مرهون بحضور القلب والصدق في العمل. وتابعت قائلة من قال إني تبت بغير توفيق من الله فعليه أن يتوب من توبته تلك. وعن الصبر قالت لو كان الصبر رجلا لكان أكرم الرجال. وترى أن ثمرة الروحانية هي الإقبال على الله وأن العارف الحقيقي هو من يطلب من الله قلبا سليما فإذا ناله رده إلى الله أي أسلمه إليه ليصير ذلك القلب في حفظ الله وتدبيره.
وكان صالح المري واعظا روحانيا شهيرا يكثر من قول من أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له. فلما سمعته رابعة قالت له يا صالح منذ متى بدأت تقول هذا؟ متى كان بابه مغلقا أصلا حتى يفتح؟ إن بابه لم يوصد قط في وجه أحد. فقال صالح متعجبا يا للهول رجل قوي مثلي يجهل هذا وتدركه امرأة ضعيفة عالمة مثلك.
وسمعت يوما رجلا يقول بمرارة وا غماه فقالت له فورا بل قل وا عدم غماه لو كان فيك غم حقيقي لما وجدت لهذا الغم سبيلا. وقصدت بذلك أن الغم الوجودي الحق هو الغم الذي يتعلق بالتقصير في جنب الله فإذا فقد هذا الغم كان ذلك هو المصاب الأكبر.
وفي يوم ربيعي حيث كانت الطبيعة تتجمل بخضرتها البهية قالت لها خادمتها يا سيدتي لقد أطلت البقاء داخل الدار فاخرجي لتري صنع الخالق وجمال خلقه. فأجابتها رابعة بل ادخلي أنت لتري الخالق سبحانه فإن الشوق إليه قد شغلني عن النظر في بدائع صنعه.
وذات مرة دفعت دراهم لأحدهم ليشتري لها ثوبا إذ لم يكن عندها ما يسترها كفاية فجاء الرجل وسألها أي لون من الثياب تشائين يا سيدتي؟ فتكدر حال رابعة وقالت لقد دخل أمر اللون بيني وبين الثياب أعد إلي دراهمي ولا تشتر شيئا. فأخذت المال وألقته في نهر الفرات معتبرة أن اختيار اللون نوع من الترف وزهدت في المال الذي أثار في نفسها ذلك الخاطر.
ورآها جماعة من الناس وهي تجهد أسنانها لتقطيع قطعة لحم فسألوها أليس عندك سكين تقطعين بها؟ فقالت برد عجيب ليست السكين ههنا ولا أحب وجودها إنها أداة قطيعة وإني أخشى قطيعة الرحم والصلة بالله. هكذا كانت أفكارها وتصرفاتها محكومة برؤية روحية عميقة تؤول بها كل تفاصيل الحياة البسيطة.
