يُقال إن المواعظ الروحانية للحسن البصري هي التي أحدثت تحولاً في طباع رابعة في مرحلة من حياتها، ثم توثقت العرى بينهما برباط روحي متين، كان وصلاً قدسياً في سبيل الله. جرت بينهما حوارات شتى في لطائف الروح، وحضر الحسن البصري مجالسها مراراً، فكان شاهداً على تجلياتها الإيمانية. ومع أن الحسن البصري كان في منزلة روحية سامقة، إلا أنه كان يتواضع في حضرة السيدة رابعة ليقتبس من أنوارها ويستزيد من علمها، يجد في حواراتها لذة إيمانية لا تضاهى.
ذات يوم، بعثت رابعة إلى الحسن البصري بثلاثة أشياء: قطعة من الشمع، وإبرة، وشعرة، وأرفقت معها رسالة تقول فيها: كن كالشمعة، تذيب نفسها لتنير للآخرين. وكن كالإبرة، فهي أداة لوصل ما انقطع؛ فإذا ما وجدت رحماً مقطوعة فصلها. فإذا فعلت هذين الأمرين، كان لأصغر عمل صالح تقوم به، ولو كان بقدر شعرة، أجر يماثل ثواب أعمال صالحة لألف عام.
وفي أحد الأيام، كانت رابعة تعلو جبلاً، فاجتمعت حولها وحوش البرية، فما آذتها بل استكانت في حضرتها وأخذت تطوف حولها في أنس ووداد. وفي تلك الأثناء، ظهر الحسن البصري مقبلاً نحوها، وما إن اقترب حتى فزعت الوحوش وشردت في كل اتجاه. تعجب الحسن البصري وسألها: يا رابعة، لِمَ فرت هذه الوحوش حين رأتني وقد رأيتها آنسة بجوارك؟ فسألته رابعة: ماذا أكلت اليوم؟ قال: أكلت قليلاً من السمن والبصل. فضحكت رابعة وقالت: أتأكل سمن هذه الدواب ثم تعجب إذا هي نفرت منك؟
ومرت رابعة يوماً بدار الحسن البصري، وكان يطل من النافذة وهو يبكي بحرقة، فسقطت قطرة من دموعه عليها، فظنتها رابعة بداية المطر، لكنها حين رفعت بصرها رأت دموع الحسن. فقالت له: يا أستاذ، ما هذا البكاء؟ احبس هذه الدموع في داخلك حتى تصير بحراً، ثم أبحر فيه بقلبك طلباً لوجه الله. أراد الحسن أن يجيبها، لكنه لزم الصمت. فتابعت رابعة قائلة: يا أستاذ، لا فضل كبيراً في أن نصلي على بساط فوق الماء، ولا أن نصلي على بساط في الهواء؛ فذلك فعل تفعله الأسماك والذباب. إنما المطلب الحقيقي هو الاجتهاد الدؤوب في صالح الأعمال حتى نبلغ المقامات العلى.
وذات ليلة، قصدها الحسن البصري مع ثلة من أصحابه، فكان المكان مظلماً ولم يكن ثمة زيت للمصباح ولا وسيلة للإنارة. فنفخت رابعة في طرف إصبعها، ويا للعجب! صار إصبعها يشع ضياءً كالسراج المنير حتى مطلع الفجر. ولا عجب في ذلك؛ فقد أخبر القرآن عن يد موسى عليه السلام وكيف كانت تخرج بيضاء من غير سوء. إن كرامات أولياء الله ما هي إلا امتداد لمعجزات الأنبياء، وقد كان لرابعة نصيب من هذا الفيض الإلهي، فكل ذلك من فيض عطاء الله ومنته.
