سُئلت رابعة ذات مرة: "أتُحبّين الله عز وجل؟".
أجابت: "نعم".
فقيل لها: "وهل تبغضين الشيطان؟".
قالت: "لا".
فارتاب السائل وحار في أمره قائلاً: "وكيف ذلك؟ ألا تبغضين اللعين؟".
فجاء ردها كدفق من نور: "لقد غمر عشقُ الرحمن قلبي غماراً، فلم يترك فيه موضعاً لعداوة الشيطان".
كانت كلمات السيدة رابعة تنساب دوماً على هذا النحو؛ مفعمةً بعمقٍ صوفيٍّ يشير إلى بواطن الحقائق الروحية. ولم يكن مقصودها أنها لا تعادي الشيطان –وهو أمرٌ لا يستطيعه مؤمن– بل كانت تصوغ في قالبٍ بيانيٍ فريد لوعة تعلقها بالخالق. لقد امتثلت لأمر القرآن بحب الله، حتى سبقت في ذلك مَيادين بعيدة.
ورأت في منامها يوماً النبي ﷺ، فقال لها: "يا رابعة، أتحبيني؟".
فقالت: "يا رسول الله، ومَن ذا الذي لا يحبك؟ غير أن حب الخالق قد ملأ شغاف قلبي، فلم يترك لغيره بقية".
وسألها سائل: "ما هو العشق؟ وبمن يرتبط؟".
فأجابت: "العشق قديمٌ قدم الأزل، وهو يتوق إلى الأبدية. ولو طفتَ في عوالم الوجود الثمانية عشر ألفاً بحثاً عن سَقْيةٍ منه، فربما لا تجد نفساً ذاقت منها قطرةً بقدرٍ محتوم". كانت رابعة تشير بذلك إلى أن إدراك كنه العشق الإلهي ليس بالأمر اليسير الذي يناله كل طالب.
وسألها آخر: "ألا تعبدين الله؟ وهل تعبدينه لأنكِ ترينه؟".
فكان ردها بليغاً: "لو لم أره، لَمَا عبدته". ولم يكن قصدها الرؤية بالبصر المادي، بل هي رؤية البصيرة التي استقر فيها الحق سبحانه في سويداء قلبها.
وكان يُسمع منها في أغلب أوقاتها أنينٌ مكتوم، فقال لها قائل: "يا حبيبة الله، إنا لا نرى بكِ علةً ولا مرضاً ظاهراً، ومع ذلك لا يفترُ نشيجكِ ولا ينقطع أنينكِ، فما الخبر؟".
فأجابت بلغة أهل الوجد: "إن في جوفي علةً، وفي صدري وجعاً أخفقت في علاجه أطباء الدنيا قاطبة؛ ولا دواء لهذا السقام إلا وصال الحبيب. وما هذا الأنين الذي تسمعونه إلا صدى توقي لبلوغ غايتي في غدٍ".
