كان سَجْفُ بن منظور رجلاً صالحاً، قصد رابعة يوماً فوجدها غارقة في صلاتها، ساجدةً لمولاها. فلما انصرفت من صلاتها، رآها وقد بللت دموعها موضع سجودها حتى ابتلَّ الثرى.
يقول سَجْف: "دنوتُ منها وسلمتُ عليها، فقالت: (يا بني، ما حاجتك؟). قلت: (جئتُ لأسلم عليكِ وأطلب منكِ الدعاء)".
فما إن سمعت قوله حتى انخرطت في بكاء شديد وقالت: "ستر الله عيوبك"، ثم غلبتها العبرات ودعت له دعاءً كثيراً قبل أن تعود إلى محراب صلاتها، فانصرف سَجْف وهو مأخوذ بحالها.
كان الناس يهرعون إليها طلباً لنفحاتها الروحية، بينما كانت هي ترى نفسها غير مستحقة لشيء من ذلك فراراً من العجب. وذات مرة، اجتمع عندها كبار العُبّاد؛ رباح القيسي وصالح بن عبد الجليل والكلاب، فأخذوا يتذاكرون شؤون الروح، ثم عرجوا على ذم الدنيا والتقليل من شأنها. فلما سمعت رابعة إطنابهم في ذم الدنيا، قالت:
"إنما استشففتُ من حديثكم هذا أن الدنيا بزخارفها لا تزال تتربع في سويداء قلوبكم".
بُهت القوم وقالوا: "يا سيدة، وكيف استنتجتِ فينا ذلك؟".
قالت رابعة: "إنكم تنظرون إلى ما استقر في أنفسكم، فتكثرون الخوض فيه؛ فمن أحب شيئاً أكثر من ذكره، ولو غابت عن قلوبكم لَمَا احتجتم إلى ذمها".
وسألها أحد المرشدين يوماً: "هل في عملكِ قربةٌ ترجين قبولها عند الله؟". فأجابت بانكسار: "إن كان ثمة شيء، فهو خوفي الدائم من أن تُردَّ عليَّ أعمالي ولا تُقبل".
يروي جعفر بن سليمان قائلًا: "أخذ سفيان الثوري بيدي يوماً وقال: (هلمَّ بنا إلى رابعة، عسى أن نسمع منها حكمةً تطهر أرواحنا). فمضينا إليها، فلما حضرنا بين يديها رفع سفيان يده ودعا: (اللهم إني أسألك السلامة).
حينها انتحبت رابعة باكية، فسألها سفيان: (ما يبكيكِ يا سيدة؟).
قالت: (أنت الذي أبكيتني!).
تعجب سفيان وقال: (أنا؟ وكيف ذاك؟).
قالت: (نعم، أما علمت أن سلامة الدنيا في ترك ما فيها؟ وأنت لا تزال مشتبكاً بعلائقها)".
وقال لها "عَبَدةُ" يوماً: "يا سيدة، مريني بأمر يقربني إلى الله".
قالت رابعة: "أكثر من ذكره، فذكره هو الذي سيمحو وحشة قبرك ويملأه بالرجاء".
كان الكثيرون يرجون نيل بركة صحبتها بالزواج، ومنهم أبو عبيدة عبد الواحد بن زيد، ولكنها ردته وأعرضت عنه زمناً. فشفع له إخوته لديها، لكنها أبت وقالت له أخيراً: "يا ذا الهوى! اطلب من تشاكلك في هواك". وكذلك فعل والي البصرة حين خطبها فرفضت ترفعاً بفنائها في حب الله.
ورأت يوماً "رباحاً" يقبل طفلاً من أهله، فقالت: "أتحبه يا رباح؟".
قال: "نعم".
فقالت: "ما كنت أظن أن في قلبك موضعاً خالياً لمحبة غيره (تقصد الله)". فصعق رباح وخرَّ ساجداً يغشاه الوجد، فلما أفاق مسح العرق عن جبينه وقال: "يا سيدة، إن الرحمة بالصغار رحمةٌ قذفها الله في قلوب العباد، وهي لا تنافي حبه، كما هو الشأن في حب الزوجة والأم".
