حين استقرت رابعة في البصرة، وجدت أنسها الأسمى في معارِج الروح، فصارت الصلاة عندها أعظم مأرب، وقرّة عين لا تضاهى. كانت تروّض النوم بالقيام، فتستحيل لياليها ضياءً كالنار. ويُروى أنها غلبها النعاس ذات يوم فسقطت مغشياً عليها، فأصاب طرف حصيرةٍ عينها حتى نضح منها الدم، بيد أنها من فرط استغراقها في لذة المناجاة لم تشعر بما ألمّ بها، ولم تدرك الحادثة إلا بعد فراغها من صلاتها.
ذاع صيت رابعة وطبق الآفاق، فقصَد حماها أساطين الصوفية وعلماء الروح، ينهلون من فيض وجدها ومعارفها الكشفية، وكانوا يحادثونها من وراء حجاب، فيغترفون من بحر لدنّيٍ لا ينضب.
لقد وهبها الله بصيرةً نافذة، فكانت تطلع بفضل الله على ما وراء الحجب. ومن عجائب قصصها، أن شيخين من كبار العرفاء دخلا عليها يوماً وقد نال منهما الجوع منالاً شديداً، فقالا في أنفسهما: "لعلّ السيدة تُتحفنا بشيء من الطعام". وحين جلسا وراء الحجاب، لم ينبسا ببنت شفة عن جوعهما، لكن رابعة أدركت ما في طوايا نفوسهما، فقدمت لهما رغيفين من الخبز، ولم يكن عندها غيرهما.
تهللت أسارير الضيفين، وما إن هَمّا بالأكل حتى وقف سائلٌ بالباب يطلب طعاماً، فما كان منها إلا أن استردت الرغيفين ودفعت بهما إلى السائل! ذهل الضيفان مما جرى، واعترتهما الدهشة من فوات كرامة الضيف، لكنهما لزما الصمت.
وبعد برهة، طرقت الباب جارية تحمل طبقاً مملوءاً بأرغفة ساخنة شهية، وقالت: "سيدتي بعثت إليكِ بهذا". تناولت رابعة الطبق وشرعت في عدّ الأرغفة، فإذا هي ثمانية عشر رغيفاً، فردتها إلى الجارية قائلة: "لعلّ سيدتكِ أخطأت، فهذا ليس تمام العدد الذي أُرسل إليّ". ارتبكت الجارية وأصرّت أن هذا ما أُرسل معها، لكن رابعة أبت قبولها. فعادت الجارية ثم رجعت سريعاً بطبق فيه عشرون رغيفاً. فابتسمت رابعة وقالت: "الآن استقام العدد"، ثم قدمت الخبز لضيفيها وهما في حيرة من أمرهما.
سألها الضيفان بلهفة: "ما سرّ هذا الذي جرى؟ كنا نتلهف للأكل فبذلتِ الرغيفين للسائل، ثم رددتِ الثمانية عشر، وقبلتِ العشرين، فما الخبر؟"
ضحكت رابعة وقالت بيقين الواثقين:
"سرّ ذلك أني حين رأيت جوعكما، شقّ عليّ أن أُقريكما برغيفين فقط، فلما جاء السائل بذلتهما لله، وقلت في مناجاتي: يا رب، إنك وعدت بالحسنة عشر أمثالها، فإني أريد عشرين رغيفاً بدلاً مما أنفقت. فلما جاءت الجارية بثمانية عشر، علمتُ أنها قد استبقت لنفسها رغيفين، فاستحييت أن أقبل دون الوعد الإلهي. فلما عادت بالعشرين كاملة، علمتُ أن الحق قد وفّى بعهده."
اعتصم الضيفان بالصمت إجلالاً، فقد أدركوا في تلك اللحظة أن توكل رابعة ويقينها في الله يفوق الوصف، وأنها قد بلغت في مقام "التسليم" شأواً بعيداً.
