ذرفت عينا النبي ﷺ الدمعَ حين وقع بصرُه على تلك القلادةِ، فقد هاجت في نفسه ذكرياتُ الزوجة الحبيبة، وفاض قلبُه بحنان الأب تُجاه ابنتِه. كان النبيُّ والصحابةُ يتفحّصون الفداءَ الذي أرسله أهالي الأسرى في غزوة بدر، وفجأةً، استوقفت تلك القلادةُ نظرَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، إنّها قلادة خديجةَ. تلك المرأة التي وهبت مالَها كله لخدمة هذا الدين، ولم تبقِ لنفسها سوى هذه القلادةِ التي ادّخرها قلبُ الأم لتزيِّن بها عنقَ ابنتها يوم زفافها. وبالفعل، تحقّق مرادُها.
رُزقت الابنةُ بزوجٍ ذي مال وأمانة، وهو أبوالعاصِ. هكذا تَمَّ زواجُ زينبَ، ابنةِ النبي صلى الله عليه وسلم الكبرى، من أبي العاص قبل البعثة النبوية. وفي تلك الفترة، تزوَّجت رقيةُ، الابنة الثانية، من عتبة بن أبي لهب، وتزوَّجت الابنة الثالثة من أخيه عُتيبة. ولكن حين أعلن النبيُّ صلى الله عليه وسلم دعوتَه، ضغطت قريشٌ على الأزواج ليطلقوا بناتِ النبي صلى الله عليه وسلم. رفض أبوالعاصِ ذلك رغم بقائه على دينه، بينما سارع عتبةُ وعتيبةُ إلى الطلاق قبل الدخول بزوجتيهما.
كان عتيبةُ نسخةً من أبيه أبي لهب في السوء، فبصق في وجه النبي ﷺ؛ لم يكن ذلك كرهًا شخصيًّا فحسب، بل صبًّا للغضب على النبوة، مما آلم النبيَّ كثيرًا. ورغم أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يصفح عمّن يسيء إليه شخصيًّا، إلا أنه دعا على من استهزأ بالرسالة قائلًا: اللهم سَلِّطْ عليه كلبًا من كلابك.
تملّك الرعبُ قلبَ عُتيبةَ بعد سماع هذه الدعوة، حتى خشي الخروجَ من بيته. وعندما دعاه أصحابه لرحلة تجارة إلى الشام، تمنّع خوفًا، فأقسموا على حمايته.
وفي الطريق، بينما كان الجميعُ نائمين وهو في وسطهم، جاء أسدٌ يشمُّ الوجوهَ واحدًا تِلو الآخر، حتى وصل إلى عتيبةَ في المنتصف، فافترس رأسَه. (وقد ذُكِرت هذه الواقعةُ في كتب السيرة كابن هشام وغيره).
نعود إلى أبي العاص؛ هاجر النبيُّ إلى المدينة وبقيت ابنتُه مع زوجها في مكة. وفي العام الثاني للهجرة، وقعت غزوةُ بدر، وشارك فيها أبوالعاصِ مع المشركين، فـأُسِرَ ضمن من أُسِروا.
وعندما تَقَرَّرَ قبولُ الفداء لإطلاق سراح الأسرى، أرسل الأهالي الأموالَ، وأرسلت زوجةُ أبي العاص فداءَ زوجها، فكانت تلك القلادةُ التي أهدتها الأمُّ لابنتها هي الفداءَ.
ارتجف قلبُ النبي ﷺ حين رأى القلادةَ، واستحضر تضحياتِ خديجةَ. كانت رغبةُ تلك الأمّ أن تظل القلادةُ في عنق ابنتِها، ولكي يتحقّق ذلك، كان لا بدّ من موافقة الصحابة لأنّ الفداءَ أصبح ملكًا عامًّا. سأل النبيُّ: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرَها وتردّوا عليها الذي لها؟ فأجاب الجميعُ بصوت واحد: نعم يا رسول الله. وهكذا أُطْلِقَ سراحُ أبي العاص، بشرط أن يرسل زينبَ إلى المدينة.
وَفَى أبوالعاص بعهده، ورغم حبّه الشديد لزوجته، جهّز لها الزادَ والراحلةَ وأمر أخاه بمرافقتها لتسليمها لرسل النبي صلى الله عليه وسلم خارج مكة. خرجت زينبُ نهارًا جهارًا، ممّا أثار استفزازَ قريش، فاعترضوا طريقها وهدّدوها. حينها استلَّ أبوالعاصِ قوسَه وصاح: والله لا يدنو منها أحدٌ إلا وضعتُ سهمًا في صدره، وكان راميًا لا يخطئ الهدفَ.
تدخَّل أبوسفيان لتهدئة الموقف، وطلب من أبي العاص وضعَ نباله ليتحدثا. قال أبوسفيان: يا ابن أخي، إن خروجك بزينب نهارًا أمام الناس يسبب لنا المهانة بعد هزيمتنا في بدر، فلا حاجة لنا باحتجازها، ولكن أعدها إلى البيت لعدّة أيام ثم أخرج بها سرًّا.
استحسن أبوالعاصِ الفكرةَ، وبالفعل، وفي ليلة هادئة، أوصل زوجتَه إلى رسل النبي صلى الله عليه وسلم. وعن وفائه هذا، قال النبي ﷺ: حدَّثني فصدقني، ووعدني فوفّى لي.
مرَّت السنواتُ. وبينما كان أبو العاصِ عائداً من الشام إلى مكة بعد رحلةٍ تجارية، ومعه مائةُ جملٍ وعددٌ كبيرٌ من العمال، اعترض طريقَـهـم مجموعـةٌ من المسلمين. في ذلك الوقت، كان غيابُ معاهداتِ السلام يعني توقعَ القتـالِ في أي لحظة، لذا كان الجميعُ على حذر. استولى المسلمونَ على الإبل وأسروا الرجال، لكنَّ أبا العاصِ استطاع الفرارَ بذكاء.
توجَّه أبو العاصِ الفارُّ نحو المدينة المنورة، حيث تقيمُ زوجتُـهُ في بيتِ النبيِّ ﷺ. وعندما بزغ الفجـرُ ونوديَ للصلاةِ، تدفق الناسُ إلى المسجد. كبَّر النبيُّ ﷺ للصلاةِ والجميعُ في خشوع، وفجأةً ارتفع صوتٌ من الخلف: يا أيها الناس، أنا زينبُ بنتُ محمد، وإنّي قد أجرتُ أبا العاصِ، فأجيروه.
بعدما سلَّم النبيُّ ﷺ من صلاتـهِ، التفت إلى المصلين وسأل: هل سمعتم ما سمعتُ؟ قالوا: نعم. فقال ﷺ: والذي نفسي بيده، ما علمتُ بشيءٍ من ذلك حتى سمعتُـهُ كما سمعتموه، وإنه يُجيرُ على المسلمين أدناهم. ثم دخل النبيُّ ﷺ على ابنتـهِ وقال: أي بنيـةُ، أكرمي مثوى أبا العاصِ، ولكن لا يقربنّكِ؛ فإنه لا يحلُّ لكِ.
تحدث النبيُّ ﷺ مع الذين غنموا الإبـلَ، فوافقوا على ردّها إكراماً له. وعندما جاء أبو العاصِ ليستلمَ أموالَـهُ، عرض عليه بعضُ الشبابِ قائلين: لماذا تعودُ إلى مكة؟ ابقَ هنا بهذا المالِ وأسْلِم. فأجابهم أبو العاصِ: بئس ما أبدأُ به ديني الجديدُ أن أخونَ الأمانـةَ. فقد كانت هذه الأموالُ حقوقاً لأهل مكة يجبُ أداؤُها. عاد إلى مكة وأعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّــهُ.
سأل أبو العاصِ قريشاً: يا معشرَ قريش، هل بقي لأحدٍ عندِي مالٌ؟.قالوا: لا، وجزاك الله خيراً، فقد وجدناك وفياً كريماً. عندها صرخ أبو العاصِ: فإنّي أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسولُ الله. وما منعني من الإسلام عنده أيّ في المدينة إلا خوفاً من أن تظنوا أني أردتُ أكلَ أموالِــكم، والآن وقد أديتُ الأماناتِ، فإنّي مسلم.
عاد إلى المدينة وأعلن إسلامَــهُ عند النبي ﷺ، فردَّ إليه النبيُّ زوجتَــهُ زينبَ بعقدٍ ومهرٍ جديدين، واستأنفا حياتَــهما الزوجية. لكنَّ هذه الرحلةَ لم تطل، فقد توفيت زينبُ رضي الله تعالى عنها في السنة الثامنة للهجرة، قبل فتح مكة. لقد كان أبو العاصِ مثالاً للصدق والوفاء بالعهود في الجاهلية والإسلام.
كان الخليفةُ الثالثُ عثمانُ بنُ عفانَ صهرا آخر للنبي صلى الله عليه وسلم. عُرِفَ عثمانُ برقتـهِ وحيائــهِ وثروَتِــهِ. تزوَّجَ أولاً من رقيّةَ، لكنَّ حياتَــهما الزوجيةَ لم تدم طويلاً.
بينما كان المسلمونَ يستعدون لغزوةِ بدرٍ، اشتدَّ المرضُ على رقيةَ. وقع عثمانُ في حيرةٍ: أيلحقُ بالنبيِّ ﷺ للجهادِ، أم يبقى في المدينةِ لتمريضِ زوجتِــهِ؟ حسم النبيُّ ﷺ هذا الموقـفَ بقولــهِ لعثمانَ: لا تخرج للغزو، بل ابقَ لرعايةِ رقيةَ، ولك أجرُ من شهد بدراً. ولقد تُوفيت رقيةُ في ذلك المرضِ.
بعد ذلك، زوَّجَ النبيُّ ﷺ ابنتَــهُ الثالثةَ أمَّ كلثومٍ لعثمانَ. وفي شهرِ شعبانَ من السنةِ التاسعةِ للهجرةِ، فارقت هي الأخرى الحياةَ. جلس النبيُّ ﷺ عند قبرِها وعيناه تذرفان الدموعَ. نزل في قبرِها عليٌّ والفضلُ وأسامةُ وأبو طلحةَ. وبسببِ زواجِــهِ من ابنتي النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، لُقِّبَ عثمانُ بذي النورين. حتّى إنَّ النبيَّ ﷺ قال: لو كانت عندي ابنةٌ أخرى لزوَّجتُــها عثمانَ.




